وَهْم الحرب الوشيكة

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2020-01-04
24
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

هناك عوامل عدة، ساهمت في صناعة أسطورة قاسم سليماني، رجل ايران الأقوى في الشرق الأوسط، كما يلقب، منها قدرات الرجل وإلمامه بتفاصيل الملفات المسؤول عنها بجدارة، وأيضا الغموض الذي أحاط به وبشكله.

 

موكب تشييع سليماني والمهندس في الكاظمية شمال بغداد امس | رويترز

فالرجل ظل لسنوات طوال شبحا لا يُرى، حتى قررت طهران في نوفمبر 2014 تسريب بعض الصور له في العراق في رسالة نفسية بالأساس الى السعودية، مفادها: ها قد جاءكم ملك الموت، ليظهر بعدها الرجل مرسوما على غلاف مجلة النيوزويك الأميركية التي حملت عنوان «في البدء حارب اميركا واليوم يسحق داعش»، وهو العنوان الذي ساهم في ترسيخ صورته الذهنية كرجل اسطوري.

لا أحد يمكنه التقليل من قدرات سليماني ونجوميته؛ فالرجل منذ توليه قيادة فيلق القدس منذ ربع قرن تقريبا، وهو يلعب أدوارا شديدة التعقيد كوسيط أحيانا وكعسكري أحيانا أخرى، أدار تنظيمات، سَلّح حلفاء، رفع مسؤولين، وأرسل آخرين الى قبورهم.. فعل الرجل الكثير من اجل إعادة تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة إيران.

ولهذا، اغتياله بهذه الطريقة يعتبر ضربة مؤلمة لطهران، ليس فقط لخسارتها رجلها القوي، ولكن أيضا لكونها كاشفة لمدى اختراق الاميركان للاستحكامات الامنية الايرانية، الرسالة: ها هو رجلكم الاهم نقصفه بسهولة ومن دون أدنى تكلفة.

لكن تصفية سليماني فتحت بابا لاسئلة عديدة، حول الصدام الأميركي ـــــ الإيراني، ودور ترامب في اتخاذ القرار الذي وصف بأنه منفرد، ودفعت البعض للقول إننا على مشارف حرب، وصل البعض بوصفها بأنها ستكون حربا عالمية ثالثة.. فهل نحن فعلا على أعتاب الحرب؟

والاجابة عن هذا السؤال تقتضي أولا معرفة قدرات كلا الفريقين العسكرية، ومنها يمكن التنبؤ بشكل الصِّدام «المسلّح» في حال حدوثه.

المعطيات كلها تقول ان اميركا هي أقوى قوة عسكرية ظهرت على مر التاريخ، ولاول مرة يوجد هذا الفرق الهائل في القوة العسكرية بين دولة ما ومن يُعتقد أنهم منافسون لها؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 13 ألف طائرة حربية، في حين تمتلك دولة مثل فرنسا، والتي تباهي بقوة سلاحها الجوي اقل من 800 طائرة، اما ايران فلا يتجاوز سلاحها الجوي 500 طائرة حربية. فضلا عن امتلاك أميركا 11 حاملة طائرات عملاقة supercarrier، في حين دولة مثل روسيا مثلا تمتلك واحدة فقط، وتمتلك الصين المنافس (النظري لأميركا) اثنتين فحسب.. الفرق رهيب كما ترى إذاً، وليس الفرق في العدد فحسب، بل في القوة ونوعية التسليح والتدريب ومهارات تكنولوجية لا حصر لها.

وبمقارنة القوات يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة (عسكريا) قادرة على إيذاء إيران، إن أرادت دكّها دكّا.

لكن على صعيد آخر، تدرك واشنطن أن إيران لا تمكن مقارنتها عسكريا بالجيش الاميركي فإنها تمتلك أوراقا أخرى، تجيد إدارتها واللعب بها، أهمها سيطرتها على آلاف الموالين في العالم ممن يمكن وصفهم بـ «الخلايا النائمة» والقادرين على توجيه ضربات «ارهابية» في عواصم ومدن شتى، وربما ليست المدن الاميركية بمأمن منهم، فضلا عن امتلاك إيران ميليشيات مدرّبة ومجهّزة ومسلّحة في سوريا والعراق ولبنان، اضافة الى عدد كبير من الصواريخ و«الدرونز» التي جرى تطويرها، واصبحت قادرة على إحداث حالة هلع في عواصم عربية عدة، واخيرا، السيطرة النسبية للبحرية الايرانية على الخليج، والتي تستطيع اغلاقه.

وتاريخيا، لم يحدث ان وجّهت ضربة لايران ولم ترد، الانتقام حاضر دوما في المخيلة الإيرانية، حتى وان تأخّر زمن الرد، فمثلا في العام الاخير من الحرب العراقية ـــــ الإيرانية، قصفت المدفعية الاميركية طائرة مدنية إيرانية فوق الخليج، ولقي ما يقرب من 290 راكبا مصرعهم، اعتذرت واشنطن، مشيرة إلى ان القصف حدث بالخطأ، لكن بعدها بأشهر عدة اسقطت طائرة مدنية أميركية فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية، ليلقى 243 راكبا حتفهم، وهي العملية التي اتهم فيها معمر القذافي، لكن الكثيرين اشاروا الى تورّط المخابرات الايرانية في التفجير، والحقيقة ان ايران في ذلك، مثلها مثل اسرائيل، كلتاهما تردان، وتنتقمان. وفكرة فتح صفحة جديدة، وعفا الله عما سلف غير واردة مطلقا، وعليه فالسؤال الاهم الآن: كيف ستردّ طهران؟

لكن الأرجح هنا ان ايران لن تتورّط في رد سريع مبني على اعتبارات الثأر والكرامة، فالملالي يدركون جيدا أنهم ربما يكونون ازاء فخ جرى اعداده بإحكام لجرّهم الى معركة تدمّر بلادهم وتعيدها للقرون الوسطى، كما أنهم يدركون جيدا ان الرئيس الاميركي يواجه مأزقا داخليا، وهو على أعتاب الانتخابات المقبلة، ولن يمنحوه نصرا يوظفه داخليا؛ لذلك فغالبا الرد الايراني سيتأخّر كثيرا لحين إعادة ترتيب الأوراق واختيار التوقيت المناسب لهم، فضلا عن الدرس الأهم الذي تلقته إيران من تصفية سليماني، والذي يستوجب الوقوف والتريث، هو أنها اكتشفت حجم الاختراق الأمني لقواتها، والذي مكّن الأميركان من معرفة موعد ومكان هبوط طائرة سليماني، في ثاني اكبر اخفاق أمني لهم، بعد فضيحة تمكّن إسرائيل من الحصول على الارشيف الكامل للمشروع النووي الإيراني، الذي عرضه نتانياهو بشكل استعراضي للجميع.

وعليه، فشبح الحرب الذي يتحدث الكثيرون عنه أراه بعيدا.. سترد طهران لا محالة، لكن ليس الآن.

لكن اذا كان هذا هو الموقف الايراني (او هكذا يبدو لنا تحليليا) فماذا عن الموقف الداخلي الأميركي؟

الديموقراطيون يتحدثون عن أن قرار ترامب هو قرار منفرد جرى بهدف إلهاء الشارع الأميركي عن أزمة العزل، التي يواجهها ترامب وجعله بطلا قوميا، وقد عزز هذا المنطق تصريح إليوت إنجل (رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب) بان هذه الضربة جرت من دون إخطار الكونغرس أو التشاور معه. والذي تزامن مع تصريح جو بايدن الذي قال فيه إن ترامب ألقى «ديناميت» في برميل بارود.

لكن، هل قرار بهذا الحجم والخطورة جرى بإرادة رئاسية منفردة حقا؟

الثابت في السياسة الأميركية الخارجية انه يصعب ان نرى قرارا بهذا الحجم نابعا من توجّه شخص الرئيس فحسب، بالطبع ستعزز تصفية سليماني موقف ترامب، وربما تسهم في اقصاء قصة العزل كثيرا، لكن تظل تصفية الرجل قرارا أميركيا خالصا ضمن سياسة مؤسسية، وتنحصر هنا مسؤولية الرئيس في اعتماده وقبول توقيته، فسليماني وابن لادن والظواهري والبغدادي كلهم اسماء على قوائم التصفية، وترامب ومن سبقوه بالبيت الأبيض لم يضعوا تلك القوائم؛ فقط اعتمدوا قرار التنفيذ.. والرسالة كانت: لا أحد بمنأى عن ايدينا.

لذا، فمن الواضح انه مهما كان الرد الإيراني ـــــ او توقيته ـــــ فالرد الاميركي عليه سيكون باتباع سياسة تصفية الرؤوس الفاعلة وملاحقة «القادة» الميدانيين من دون الدخول في حرب مباشرة.