يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

وستعرفين يوماً يا سلوى

القارئ: ليلى السيد
المصدر: البيان
تاريخ النشر:  2020-02-24
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

يقولون إن شر البلية ما يُضحِك، وحين تكون أصوات الانفجارات هي ما يجعل طفلة تقهقه ضاحكة، فإن هذا لا يعود شراً واحداً، وإنما شروراً مستطيرة، ترسم مستقبل أطفالٍ كُتِب عليهم أن يكونوا ضحايا لأخطاء الكبار وانهزامهم وانعدام رؤيتهم.سلوى طفلة سورية، عمرها ثلاث سنوات، هاجرت عائلتها من مدينة سراقب إلى مدينة سرمدا بمحافظة إدلب. فرت من الحرب في مدينتها لتجد الحرب تلحق بها في المدينة التي لجأت إليها، فقد كان والدها يتصور أن فراره من سراقب إلى سرمدا هو طوق النجاة الذي سينقذه وعائلته من جحيم المعارك التي تدور في مدينته، لكن هذا الجحيم سرعان ما انتقل إليهم، لتطغى أصوات الطائرات وانفجارات القذائف على حياتهم اليومية. وجد الأب نفسه مرغماً على معايشة الواقع، فقرر تعويد ابنته الصغيرة على أصوات القنابل، التي كلما انفجرت واحدة منها أخبرها أن ما تسمعه أصوات ألعاب وانفجرا بالضحك معاً، لأنه ليس على استعداد، كما يقول، لترك ابنته تعاني أمراضاً نفسية بسبب أصوات الانفجارات، ولأن هذا هو الحل الوحيد لحمايتها من وجهة نظره.

الفيديو الذي انتشر بشكل واسع أشعل مواقع التواصل الاجتماعي، وتداولته العديد من الحسابات، وأبدى رواد هذه المواقع حزنهم وتعاطفهم مع الأب، واصفين إياه ببطل ابنته وحاميها، متمنين انتهاء الحرب في أقرب وقت. وإذا كانت الحروب لا تنتهي بالأمنيات كما نعرف، فهل يكون السبيل إلى تجنيب الأطفال ويلاتها هو تعويدهم على أصوات القنابل والمتفجرات والطائرات الحربية، وإيهامهم أنها أصوات ألعاب؟ ماذا لو أحبوا هذه الأصوات وأصبحت هي الهدهدات التي ينامون عليها، وزقزقات العصافير التي يستيقظون على أصواتها، والموسيقى التي يطربون لسماعها؟ ماذا لو أصبحت طقساً من طقوس حياتهم لا يستطيعون العيش دونه؟ ترى من يخلصهم من إدمان هذه الأصوات، وعدم الإحساس بمتعة بالحياة بعيداً عنها؟ ترى ماذا لو اكتشفوا يوماً أنها أصوات قذائف تهدم البيوت، وتقتل البشر، وتروّع الآمنين؟

فيديو الطفلة سلوى مع والدها أعاد إلى الأذهان الفيلم الإيطالي الشهير الحياة جميلة «Life Is Beautiful» الحائز على جوائز عدة، منها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية. في هذا الفيلم الذي تدور أحداثه إبّان الحرب العالمية الثانية يحاول الأب المحتجَز مع زوجته وابنه في أحد معسكرات الاعتقال إقناع الابن بأنهم في معسكر للعب، وأنهم لا بد أن يبذلوا قصارى جهدهم للفوز بالمركز الأول كي يربحوا دبابة حقيقية يعودون بها إلى المنزل. يصارع الأب كل الظروف كي يجعل من نفسه حائط صد بين ابنه وبين قسوة الحياة في المعسكر، وينجح في إيهامه طوال فترة احتجازهم أنهم يلعبون. يوشك الطفل على كشف الحقيقة أكثر من مرة، لكن الأب ينجح في إقناعه كل مرة أن اللعبة تصبح أكثر إثارة كلما اقترب الخطر منهم، أو اقتربوا هم من الخطر، وأن الفوز أصبح قريباً. يحدث كل هذا في قالب كوميدي، تماماً كما يحدث معنا ونحن نشاهد سلوى تقهقه كلما سمعت صوت انفجار قنبلة أو هدير طائرة حربية تقصف موقعاً قريباً منهم.

إنه ليس خطأ سلوى بالتأكيد، ولكنه خطأ الجيل الذي سبق جيلها، بل هي سلسلة أخطاء أجيال كاملة لم تستطع أن تقرأ المشهد جيداً، ولم تستفد من أخطاء الشعوب والأمم التي سبقتها. أجيال استمرأت المهانة واستساغت الذل حتى غدت تقتات عليهما. أجيال قبلت أن تكون مطية للذين ركبوا ظهورها كي يحققوا مصالحهم الشخصية، وتحالفوا مع أعدائها على اختلاف ألوانهم وأشكالهم والبلدان التي ينتمون إليها. أجيال تكالب عليها القريبون والبعيدون وتناهشوا لحمها ومصوا عظامها حتى النخاع. أجيال لم يعد بيد أبنائها حلٌّ سوى إيهام أطفالها أن أصوات القنابل والقذائف أصوات ألعاب عليهم أن يقهقهوا كلما سمعوها، وهي في الحقيقة ألعاب بأيدي الذين يروّعون الأطفال وينتهكون براءتهم، ويغتالون ضحكاتهم كل يوم.

ستعرفين يوماً يا سلوى أن هذه الأصوات لم تكن أصوات ألعاب، وستدركين أن أباك أراد أن يجنبك أمراضاً نفسية ستعانين منها مدى الحياة، مثلما قال، لكن حل أبيك هذا كان حلاً مؤقتاً، لأن الحل الدائم بيد أولئك الذين كانوا يشعلون نيران الحروب، ويرسلون الطائرات تقصف الأبرياء الآمنين وتروعهم، بينما يتحصنون هم في أبراجهم العالية، ويختفون خلف أسوار حصونهم المنيعة، يحضنون أبناءهم وبناتهم بحنان تفتقدينه أنت وأمثالك.

ستعرفين يوماً يا ابنتي أن أباك وهو يهرب من مدينة إلى أخرى كان يطارد خيط دخان، وأنه وهو يلاعبك كان مهزوماً مكسور الوجدان، فما أصعب أن تسكن وطناً لا تشعر فيه بالأمان.