وداعاً.. مريم باقر

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2019-12-21
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

كنت يا أمي امرأة لست كغيرك من النساء ولا كباقي البشر، فلم يختلف اثنان على سمو أخلاقك ولا على طيبة قلبك، ولا على ورعك وتقواك. ولا أذكر أنك فارقتِ سجادة صلاتك، حتى بعد أن اشتد عليك المرض وأصبحت لا تدركين ما يحدث من حولك، لم نرك أنا وإخوتي يا أمي في يوم إلا والمصحف الشريف والسبحة يتبادلان دورهما بين يديك الطاهرتين حامدة شاكرة صابرة، فكنت تختمين القرآن الكريم في السنة الواحدة مرات ومرات، وكنت تتحدّين نفسك في عدد المرات التي كنت فيها تسبّحين بحمد الله وتشكرينه وتكبّرينه. توفي بكرك محمد، فصبرت وشكرت، ثم توفي ابنك منصور وأيضاً صبرت وشكرت، وأخيراً توفيت ابنتك نادرة فلذة كبدك ذات التسعة عشر ربيعاً، وما كان منك إلا الصبر والحمد والشكر على حكم الواحد الأحد، فظللت وحتى لحظة وفاتك تحمدينه سبحانه وتعالى، الذي أنعم عليك بأربعة من الأبناء ألبسهم ثياب الصحة والعافية، وكنت دائماً ما ترددين: الحمد لله الذي رزقني بناهد ونادر وخالد ونائل بعد أن حرمني من ثلاثة.

كنت يا أمي تبخلين على نفسك لتسعدي غيرك، فلم تكن المادة غايتك في يوم، وإنما وسيلة كنت تُسعدين بها الفقراء وتفرّجين بها كُرب المحتاجين، فما إن تعلمي بأمر محتاج حتى تسارعي بالمساهمة في قضاء حاجته، ولم تكوني تكتفين بذلك وإنما كنت «تجبريننا» نحن أبناءك، على المساهمة في فك كربة ذلك المحتاج، وكان هذا دأبك يا أمي حتى وأنت على فراش المرض وفي أيامك الأخيرة، وأنت تصارعين الموت وتنازعينه، فكنت دائماً كريمة مع المحتاج وبخيلة على نفسك وعلى راحتك.

لم تعرفي يا أمي الحقد والغل في حياتك، فقلبك الأبيض كان كبيراً ويسع الجميع، متسامحة مع نفسك ومع الآخرين، كنت تهتمين لراحة الآخرين وتجعلين راحتك آخر أولوياتك. سألتك وأنت في أيامك الأخيرة وطريحة الفراش في غرفة العناية المركز تعانين ما تعانين وتكابدين الآلام، مستغلاً لحظة نادرة كنت واعية فيها: أمي حبيبتي، هل أنت مرتاحة أم تحتاجين لأن أساعدك أو أقدم لك شيئاً لم أنتبه إليه؟ فكان ردك: كيف لا أكون مرتاحة وأنت وإخوتك أبنائي، لم أتمالك نفسي من البكاء وأنا أسمع كلماتها تلك، وشعرت كم أنا صغير أمام هذه الإنسانة التي أبت إلا أن تشعرنا برضاها علينا، رغم كل ما كانت تعانيه في تلك اللحظات، لكنها الأخلاق التي سمت بها عالية طيلة حياتها، وأبت إلا أن تسمو بها حتى وهي في ساعاتها الأخيرة.

رحمك الله يا أم نادر – مريم باقر العوضي – رحمة واسعة، وغفر لك وتجاوز عنك وحشرك مع الصديقين والأنبياء، وسامحينا واغفري لي ولإخوتي، فلم نتمكن من أن نقدم لك عُشر ما قدمتِه لنا منذ أن خرجنا للوجود وحتى حان موعد رحيلك، سنفتقدك أنا وإخوتي كثيراً يا أمي وسنبكيك ما حيينا، ولكن عزاءنا الوحيد، بعد أن تركتِنا وحيدين في 10 ديسمبر 2019، هو أنك أصبحت الآن بين يديّ الملك العادل الرحمن الرحيم الذي لا يُظلم عنده أحد.