يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

وباء “التواصل الاجتماعي” و”كورونا”

الكاتب:
القارئ: رند العلمي
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-03-10
8
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

هل نحن مجتمع مبالغ؟ وما هي طبيعة اللغة المتداولة في مجتمعنا المعبرة أصدق تعبير عن وجهه الحقيقي ومزاجه العام؟ اسئلة باتت تتبادر إلى الاذهان وأصبحت محور نقاشاتنا اليومية سواء على وسائل التواصل أو في حياتنا الواقعية بعد تفشي فيروس كورونا في أنحاء العالم. الا ان صدمة خبر تسجيل أول حالة بالأردن وطريقة تعاطي الأردنيين معها كانت مبالغة جدا ان جاز التعبير. بعض وسائل الاعلام انتهكت المعايير المهنية في التعامل مع الحالة، واخترقت خصوصية المصاب.
التهويل على وسائل التواصل الاجتماعي بلغ حد الوباء، وما نحتاجه اليوم من وسائل اعلامنا المختلفة ان تركز على بث الرسائل التوعوية وتتناول الموضوع في ابعاده الانسانية الأخرى ولكن دون تهويل وتخويف، والتمهل في اطلاق اخبار عاجلة قد تؤثر على بعض القطاعات.
ذهبت حينها الى احد المجمعات التجارية المرموقة في عمان في منتصف النهار وتفاجأت بأنه يخلو تماما الا من العاملين، وتحدثت بفضولي الصحفي الى عدد من العاملين في المحلات وكان جميعهم يشتكي من المبالغة في الخوف من هذه الحالة، ولم يستطيعوا أن يخفوا قلقهم هم ايضا من تداعيات الانتشار على اغلاق المحلات وفقدان الوظائف.
أيضا، نحتاج لرسائل شفافة من المسؤولين، فيها مصارحة بالواقع وبشكل دقيق لاستعادة الثقة بالمعلومة ومصادرها ما من شأنه تخفيض مستوى الخوف وإعطاء المواطن الفرصة الاكبر للوقاية، والالتفاف حول الوطن بكافة اطيافه. واحيانا يعرقل التهويل عمل الجهات الحكومية، والتي تتخذ الإجراءات الوقائية والاحترازية كافة لمنع انتشار الفيروس، وتعمل للسيطرة عليه. فكثيرون لا يعرفون ما يدور خلف الكواليس، وكثيرون لا يدركون حجم الجهود المبذولة، بالتأكيد ليس مهما أن يعرفوها جميعها، لكن من المهم أن يطمئنوا . فالمرض ليس عيبا نخفيه، والفيروس يمكن أن يصل لأي دولة في العالم ولا نلقي اللوم على بلد او غيرها. كما علينا ايضا الابتعاد عن الانانية حتى في تخزين المستحضرات الطبية، لأن هذه الممارسات التي شهدناها كانت نتيجة لعدم الوعي المجتمعي ونقص المعلومات عن مدى خطورة هذا الوباء وسبل الوقاية والعلاج في مكافحته. فكل ما نحتاجه حاليا هو اساليب بسيطة للتنظيف والتعقيم في المؤسسات والدوائر التي يكتظ بها المراجعون واتباع النظافة الشخصية وتغيير ثقافة التحية والسلام.
ان ما يحدث في العالم في مواجهة الكورونا يعكس كيف أصبح العالم قرية واحدة وان مشاكله مترابطة، وجعلنا نعيد تعريف المواطنة العالمية، واننا اخوة في الهم الانساني المشترك، فانتشار المرض ليس عيبا الآن ولا نريد ان نختفي وراءه باللوم المبالغ فيه بيد أن حقيقة انسانيتنا المشتركة وكيف يجري التعاون بين الشعوب والملل للقضاء او اكتشاف حل لهذا المرض، يجعلنا نتفكر بعمق وبهدوء بعيدا عن المبالغة والتهويل كيف اننا اصبحنا نرى أبناء جنسنا كأعضاء لعائلة إنسانية واحدة. فانتماؤنا إلى أصل واحد، يجب ان ينعكس على سعينا للعيش في سلام ووئام معا.لأن تحدياتنا اصبحت عالمية ابتداء من اوبئة المناخ والاقتصاد مرورا بالازمات الصحية التي تفتك بالبشرية بين الحين والآخر.
ولإحداث تغيير في الثقافة لا بد وان تصاحبها الابتعاد عن المبالغة في وسائل الاعلام أيضا. فالوسيلة الاعلامية التي تنشر الخبر، عليها ان تتحقق من المصداقية وتبتعد عن العناوين البراقة المضللة للحقيقة، حتى لا تفقد المصداقية والثقة. وأحيانا يؤدي غياب المعلومة إلى انتشار التهويل، فالأخطر من كورونا هي الاشاعات التي تتمحور حوله، والتحليلات غير المنطقية لهذا الفيروس وربطها بأمور لا أساس لها من الصحة، والأخطر من كورونا هي تسليط البعض الضوء على نظريات المؤامرة المتعلقة بظهور الفيروس والاشاعات التي تؤدي إلى انتشار مخاوف، تنعكس بدورها على اقتصاد الدول.
ولعل النظر الى النصف الآخر من الكأس، في ان كورونا أحيت في الناس الخوف من النهاية الحتمية لأن الإنسان المعاصر بات غارقا في المادية والاستهلاكية حتى فقد كل أسباب الطمأنينة النفسية التي تفترض توازنا بين الروح والجسد. فنحن اليوم نركز على الجسد ولا نلتفت مطلقا في الغالب إلى الروح. ولذلك كلما أحاط بنا الوباء إلا وعدنا باحثين عن تلك الروح التي أهملناها.