واجبات وامتحانات أقل: نتائج أفضل

الكاتب:
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-11-26
6
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ينظر كثيرون إلى قضية إصلاح نظام التعليم في الأردن بشيء من اليأس في ظل التراجع الكبير لنتائجنا في تقارير التنافسية العالمية، وغياب الخطوات الإصلاحية المبنية على رؤية واضحة، والمؤسسة على الدراسة والتخطيط والاتساق، ثم التنفيذ المخلص والمتابعة.

الأمر معقد حقاً، لكنه ليس مستحيلاً، وقد كان لعدة دول صغيرة تجارب فذة في هذا المجال، تستحق منا الاطلاع عليها بعين متفحصة ومحاولة التقاط ما يمكن تطبيقه لدينا.
التجربة الفنلندية مثلا، شكلت أحد أهم التجارب الحديثة في إصلاح التعليم، ولم يكن ما حققته هذه الدولة الصغيرة من نتائج مبهرة وما وصلت إليه من مراكز متقدمة على مستوى العالم ضربة حظ أو محض صدفة.
في كتابه “الدروس الفنلندية” يقدم “باسي سالبرغ” وصفة لأهم ما ارتكزت عليه عملية إصلاح التعليم في فنلندا، وأول ما يدعو له سالبرغ التخلص مما أسماه بـ”الجراثيم” أو “GERM” اشتقاقاً من الأحرف الأولى لاسم الحركة العالمية لإصلاح التعليم (Global Education Reform Movement).

أول خطوات فنلندا كانت التخلص من أبرز ملامح التعليم التقليدي المتمثلة في كثافة المواد وكثرة الاختبارات والواجبات، وأوقات الدراسة الطويلة والدروس الخصوصية وغيرها، وكان الشعار الذي رفعته “تدريس أقل ..تعلُّم أكثر”.
لم تستطع أي دولة اتبعت هذه الأساليب من تحسين مستوى التعليم لديها، وفقاً لسالبرغ الذي يحذر من إغراق الطالب بما أطلق عليه “المعرفة المعزولة” أي المواد المحشوة بمعلومات تفصيلية لا يتداولها إلا أهل التخصص الدقيق، فالمواد الفاعلة برأيه يجب أن تركز على تنمية (التفكير الإبداعي، الضمير الأخلاقي، المهارات التواصلية، والموهبة الخاصة)، وكلها موضوعات لا تتطلب حفظ نصوص طويلة وترديد مصطلحات جامدة.

الاختبارات كانت أيضاً من “الأوبئة” التي تخلصت منها فنلندا حتى أطلق على مدارسها “منطقة خالية من الاختبارات”، انطلاقا من القناعة بأن تقييم الطلاب من خلال إجاباتهم على ورقة، هو تقييم لدرجة حفظهم للنصوص وليس تقييما لتطور قدراتهم ومهاراتهم المتنوعة، وبأن الطالب إذا اطمأن في يومياته الدراسية وتخلص من “الرعب” المصاحب للامتحانات يستطيع أن يفكر ويعبر ويتطور.
أما الرسوب، فهو ممنوع في فنلندا، اذ ينظر له على أنه تحميل الطالب منفردا مسؤولية فشل المنهاج والمدرس والإدارة، بينما يبقى كل هؤلاء دون محاسبة رغم التقصير.
المعلم، ينظر له على أنه الركن الأساس في هذه العملية، وتبذل الدولة جهودا كبيرة في تأهيل المعلمين وتطوير قدراتهم وتشترط شروطاً عالية المعايير لا تسمح إلا للمتميزين وفي مختلف النواحي بأن يصبحوا معلمين.
يؤهل المعلمون بشكل دقيق جداً يمكنهم من تحقيق ما يسميه الكتاب “تفرد التعليم” والقائم على إقرار التفاوت بين الطلبة في قدراتهم وإمكانياتهم ما يقتضي من المعلم وضع خطة فردية تتناسب مع الاختلافات بين الطلبة وتمكن من متابعتهم، ولهذا يستمر المعلم في تدريس نفس الطلاب لخمس سنوات متتالية وأكثر أحياناً.

نتيجة لاتباع هذه الأساليب وغيرها مما لا يمكن حصره في مقال كهذا، فقد تمكنت فنلندا من توفير تعليم نوعي ومجاني للجميع، وتحقيق مبدأ المساواة، والقضاء على الحاجة للتعليم الخاص والدروس الخصوصية وأي مصادر غير مجانية للتعليم.
باختصار شديد، جازفت فنلندا في التخلي عن كثير من الموروثات التقليدية، لكنها لم تكن لتجرؤ على ذلك لولا اتباع منهج علمي يكسبها الثقة بالتوقعات حول المخرجات، والأهم هو أنها حققت بالفعل هذا النجاح الباهر، وصارت تجربتها الآن بمثابة وصفة جاهزة، يستطيع تطبيقها كل مجتمع يطمح في أن يكون تعليمه أفضل، بشرط أن تتوفر لديه الجرأة وقبل ذلك الإرادة.