“همتنا” تجمل وجه “البشير”

الكاتب:
القارئ: شروق طومار
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-11
10
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في شهر آب من العام الماضي، دعيت إلى احتفالية بمناسبة ترميم قسم الأورام وأمراض الدم في مستشفى البشير، شارك فيها فنانون وشعراء، وحضرها جمهور كبير.

قبل ذلك المساء، لم أكن أعرف الكثير عن “مبادرة همتنا”، ولا عن الأمور التي استدعت انجازها خلال فترة قياسية.
تحدثت د. فاديا سمارة يومها عن المبادرة، وكيف اختارت هذه الطريق عندما زارت قسم الأورام ووجدته على حال غاية في السوء وكأنما هو قسمٌ للموت أو لمن ينتظرون الموت، لا لمن ينتظرون الشفاء.
الصور التي اطلعت عليها يومها وفيما بعد لذلك القسم، لا بد أن تشعرك بانقباض الصدر، إذ لم يكن ما تشتمل عليه إلا امتهانا لكرامة المريض وطريقا لزيادة معاناته النفسية فوق معاناته الجسدية.

لكن ما يبعث على التفاؤل هو أن هناك أشخاصا لا يدخل المستحيل في قاموسهم، بل أن واحدا من طباعهم الأساسية هو العناد والإصرار والقتال من أجل تغيير الواقع ليصبح أفضل.

الدكتورة فاديا كانت من هذا النوع، لذلك اطلقت مبادرة “همتنا مسؤوليتنا: لنبدأ بالبشير”، واستطاعت أن تحشد التأييد الكبير والدعم لهذه المبادرة وبدأت مشروعا كبيرا لترميم قسم الأورام البالغة مساحته 1000 متر مربع وإعادة تأهيله وتصميمه بما يوافق أعلى المقاييس العالمية، إضافة إلى تجهيزه بأفضل المستلزمات وأحدث المعدات الطبية.

المبادرة التي انطلقت أواخر العام 2018 لتوفير الدعم لمرضى السرطان، استطاعت أن تؤسس لما هو أفضل من تقديم الدعم النفسي للمرضى فقط، بتوفير بنية تحتية راسخة في واحد من أكبر المستشفيات الحكومية الذي يشهد اكتظاظا عاليا ويخدم ليس فقط سكان العاصمة، بل أيضا سكانا في محافظات أخرى تعاني مستشفياتها نقصا حادا في العديد من التخصصات.

“همتنا” اهتمت كثيرا بشمولية العمل وديمومته، كي لا يكون مجرد هبة، أو عملا سطحيا يجمل القشور فقط ثم ما تلبث أن تعود الأمور سريعا إلى ما كانت عليه.

وخلال أقل من عام من العمل الدؤوب تمكنت المبادرة من إنجاز مشروعها الأول وأنهت كافة أعمال الترميم للقسم وإعادة التصميم والبناء والتشطيب والتجهيز بالمعدات وأنظمة التكييف وأنظمة الحماية، بكلفة لم تتجاوز المليون ونصف المليون دينار، وقامت بتوفير 40 سريرا إضافيا واستحداث غرفتين للعناية المتوسطة وغرفتين لفحص المرضى ومكتب للدعم النفسي، وصيدلية ومستودع لحفظ الأدوية لمدة 72 ساعة لضمان توفرها داخل المشفى باستمرار، ومن المنتظر افتتاح القسم خلال الشهر القادم.
ما فعلته “همتنا” حتى الآن أكبر بكثير من مجرد ترميم وإعادة تأهيل قسم الأورام في البشير على أهمية هذا الأمر. فما أسست له الحملة هو الإنجاز الذي يمكن أن يتحقق عندما تكرس المنظمات الأهلية والمبادرات الشعبية نفسها لخدمة القضايا التي تمس بالفعل واقع الإنسان، وكيف يمكن لعملها أن يكون قيمة مضافة في هذا السياق، فمبادرة “همتنا” لم تجلس لتلعن الظلام، بل أنارت شموعا كثيرة وفعلت ما رآه كثيرون مستحيلاً.

نعلم أن العجز الدائم في الموازنة العامة يحد كثيرا من هذا النوع من الإنفاق، لكن الشراكة التي تبنتها همتنا والتي استقبلتها الحكومة ممثلة بوزارة الصحة بحفاوة، استطاعت أن تنجز قسما خدميا عالي المواصفات، فلماذا لا يكون هذا النجاح أنموذجا يتم تعميمه في كثير من المجالات الأخرى.

الكثير من مدارسنا اليوم مثلا تحتاج إلى صيانة وترميم وإعادة تأهيل وتزويد بالمعدات واللوازم المختلفة، فلماذا لا يتم تكرار نموذج “همتنا” في قطاع التعليم وتحديدا في المدارس؟ باعتقادي أن كل ما نحتاجه هو أشخاص مثابرون، مقاتلون، ومؤمنون بقضيتهم تماما مثل الدكتورة فاديا سمارة وكل من عمل معها في “همتنا” وساهم في انجاح هذا المشروع الرائد.