يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

«نكبر اعواما»

الكاتب:
القارئ: شذى فيصل
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2021-06-20
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

تمضي السنوات عاماً تلو الآخر لا نشعر بها كثيراً ونحن نعانق أحلامنا وتمتلكنا مشاعر الفرح الوجودي فنحلق بالحياه لا نرى بها سوى كل ما هو جميل.. لا نتعامل مع السنوات بجدية فتأخذنا الأيام إلى الأجمل لا نتوقف كثيراً عند الخسارات فلا يزال بأرصدتنا كل ما يمكنه أن يعوضنا عن تلك الخسارات... يذهب صديق يأتي آخر... نخسر فصل برواية العمر، ونربح فصول آخرى لأن الرواية لا تزال تشدنا نحياها بلهفة الاتي.. كلما كبرنا عاما... نختلف كثيرا نصبح غير قادرين على التعامل مع كل ما حولنا كما كنا نرى الحب مختلفا نراه بلمسات أهتمام بقدرة الاخر على الاحتواء... نحتاج لمن نحب بأن يكون صديقا قبل ان يكون حبيبا فالصداقة كسر لعزلة الايام وغربتها.. عندما تمضي بنا السنوات تصبح خياراتنا أكثر قسوة ولكننا ندرك جيداً أن قلوبنا باتت هي أيضاً قاسية نمر من أمامها غير آبهين بحجم ما أصابها فنمضي لا نلتفت كثيراً لاشياء ستصبح هي أيضاً خلفنا.. كلما كبرنا عاماً نختزن تجاربنا كأنفاسنا لا نملك حق النسيان والقدرة على تجاهل كل التراكمات التي نثرتها الأيام والسنوات بنا.. نرى من حولنا دون أقنعة... نتمكن من تنحية المشاعر التي لطالما كانت تقودنا لندرك حقيقة الآخرين ومكانتا بوجودهم.. ونتساءل كيف تمكنت سنوات العمر من أغتيال قدرتنا على الغفران وتنقيه قلوبنا من كل آلامهم؟ 

كلما مضت بنا السنوات يتملكنا حنين لأيام نعلم جيداً أنها لن تعود.. ليس لهم فحسب بل لنا أيضاً فتضيق بنا الحياة ونبدأ بالبحث عن لهفة جديدة عن قلوب لا تعرفنا جيداً لم يجمعنا بها بعد خيبات وأمنيات لم يتمكنوا من تحقيقها لنا كانوا بها حلم جميل ولم يبقوا كذلك.. كلما كبرنا أعواما نفقد القدرة على البحث عن تبريرات لاخطاء الاخرين لنحتفظ بوجودهم بنفوسنا فالتخلي عنا يؤلمنا... وفقداننا الشعور بوجودهم يأخذنا لاماكن آخرى للبحث عن ذاتنا.. كلما تمضي بنا السنوات نفقد اجزاء من وجودنا... نصبح نتوق إلى إشعال شموع آخرى بأيامنا لا نقترب منها كثيراً كي لا يؤلمنا انطفائها.. وندرك أن كل ما ألم بنا بتلك السنوات كان لأننا تناسينا أن نحيا لأجلنا... خسرنا كل ما كان بأمكانه أن يمنحنا لحظات السعادة ونحن نتجاوز ونقلب أوراق علنا نجد بنهايتها أنفسنا لنكتشف بأننا لا زلنا نبحث عن ذاتنا كلما مضت السنوات بنا.. كلما تمضي بنا السنوات تكبر بنا مشاعر الغربة وندرك أن كل عام مضى لا يمكننا استعادة كل ما كان به.. لكننا لم نعد نمتلك القدرة على تخطي تجاربنا وخياراتنا.. لكننا لا نزال قادرين على إشعال شموع قد تضيء لنا ما تبقي من السنوات دون أن نترك لها حرية أطفاءنا... فتكون لنا نوراً يتغلل من بين عتمه... لن تدوم لأننا نحن من يطفئها.. كلما تمضي بنا السنوات... نتوقف كثيراً أمام كل طائر يختار أن يحط على نافذتنا في كل صباح ثم يعود لتحليقه من جديد.. ويعود باليوم الآتي لذات المكان... ما الذي يعيده من جديد...؟ لربما لأننا لم نساعده على العودة.. ولم نضع له قفصاً ليسكنه، لكن كل ما يحتاجه لحظات من الطمأننيه يكتفي بها.. ونحن نراقبه فقط فيعود لعالمه.. فمن قاده لذاك المكان مرات ومرات...؟