يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

«نساء بعد الحرب» لهيلدا حياري.. الخلاص بإبداء القوة والتحدي

الكاتب:
القارئ: ليلى السيد
المصدر: الأيام
بلد النشر: البحرين
تاريخ النشر:  2019-11-19
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

«نساء بعد الحرب» برغم ألمهن، وأوجاعهن، وفقدهن، إلا أنهن كما تصورُ الفنانة التشكيلية الأردنية، هيلدا حياري، قوياتٍ، ومعتداتٍ بأنفسهن، ومتظاهراتٍ بحضورهن.. هن حاضرات في المشهد، رغم قساوته، وقسوة ما بعد لعنة حربه، هكذا ترى، وتصور (حياري)، نساء الوطن العربي، في معرضها «نساء بعد الحرب» الذي افتتح الثلاثاء (8 أكتوبر) في «جاليري البارح للفنون التشكيلية»، ليستمر حتى أواخر الشهر الجاري.

هنّ يعرفن كيف يداوين جروحهن!

«المرأة العربية، رغم كل ما تعرضت لهُ وتتعرضُ لهُ في صراعات منطقتنا العربية، إلا انها قادرة على النهوض من جديد» تقول هيلدا في طور إجابتها على سؤال حول قدرتها كفنانة، للتعبير عن الحرب بصورة غير مباشرة، وكيف أنها عكستها في أعمالها دون أن تصورها بالشكل التقليدي، موضحةً «تبقى المرأة العربية هي تلك المرأة المعتدة بنفسها، المتظاهرة بقوتها، هي التي تفقد أحدى قدميها، ورغم ذلك مستعدةً دائماً لشراء الكعب العالي، وارتداؤهُ في القدم الأخرى، هي من تفدُ ابنها شهيداً، فترفعُ ظهرها باستقامة، لتشعل سيجارتها أمام الجميع. المرأة العربية هي التي تعرفُ تماماً كيف تداوي جراحها».

هذه المرأة، أو هؤلاء النسوة، هن محاور اشتغال الفنانة هيلدا في معرضها، إذ تجلي عبر اشتغالها الفني هذه القوة التي ترها فيهن، برغم كونهن أمهات فقدن أبناءهن، وأرامل فهدن أزواجهن، وفتيات فقدن أبائهن، وضحايا فقدن شيئاً من ذاتهن، إلا أنهن يناضلن ليكن جميلات وقويات، وليواصلن الحياة بشهيةً مفتوحة مهما أخفت خلفها من أضطراب وقلق.

فمن خلال ذلك ترتحلُ هيلدا في فضاءات وجوههن، ومشاعرهن المخبئة خلف سترٍ مختلفة، وهي بذلك تُجملُ ما يبدوُ ظاهراً لإخفاء ما يكمنُ خلف هذا الظاهر من ألمٍ مقيت، وويلاتٍ لا تعلنُ عنها بورتريهات النسوة أو عناوين الأعمال الفنية، التي تتخذُ عناوين حياديةً ظاهراً، أي أنها لا تدلُ على شيءٍ ذو ارتباطٍ بلعنة الحرب، إلا أن في تأملها ارتباطٌ وثيق، فنجدها تعنونُ أعمالها بأسماء نساء من المنطقة العربية (ليلى، سارة، أمل، هدى، لبنى... إلخ)، في دلالةً على انتمائهن لهذه البقعة الجغرافية.

أو توصيفات لأفعالهن (صلاة، صبر، حوار، يمكننا الضحك، نحنُ الثلاث، يمكننا الرقص، يمكننا السير.. إلخ)، وتلك عناوين لها دلالاتها التي أن تتجاوز المأساة، فيما تجيء بعض عناوينها ذات ارتباط شبه مباشر بالحرب وتبعاتها، كـ(أرامل، حامل، أمهات، جيران، عروس.. إلخ)، فماذا يمكنك أن تقرأ من ذلك بعد أية حرب؟ أنها التصنيفات الاعتيادية التي تخلفها.
 

كائنات، وأشياء، وأشكال

للكائنات حضورٌ بارزٌ في أعمال هيلدا، خاصة الطيور بأنواعها المختلفة، إلى جانب الموتيفات (الأشكال)، والأشياء المرتبطة بالمرأة، وتبررُ هيلدا ذلك بأن لكل شيء دلالاتهُ، فـ «الخطوط والموتيفات التي تعبرُ الوجوه، مسهمةً في تشكيل ملامح تلك النسوة، مليئةً بالألوان التي تعكسُ بشكلٍ ما ذلك الشعور الداخلي

، كما تحضرُ الحروفيات العربية للدلالة على أثر هذه المنطقة المنقوش في وجوههن، فالحروفيات تعطي للوحات تأكيداً بأن هذا الفضاء المتناول، فضاءٌ عربي، وتجيء الخطوط بكل قوتها لتشير إلى ما تؤكدهُ هذه المرأة من قوتها وقدرتها على مواصلة الحياة رغم كل ما جرى عليها».

بذلك تعمدُ هيلدا إلى خلق نساءً يملكن حساً من التخفي والقدرة على الالتفاف على واقع يضجُ في كل نواحيه بالألم، ويمتلأُ في كل مفاصله بالويلات، فبالرغم من كون الحروب لها عظيم الأثر في إنهاكهن، إلا أن أجسادهن تتزينُ بكل الموتيفات التي تظهرُ قوة النسوة، وصبرهن، وتجاوزهن لألمهن، كما أنها فضاءٌ مفتوحٌ لتأويلات المتلقي، فهذه الخطوط والموتيفات، تحكي بشكلٍ ما مدى الأثر الذي يتحملنهُ، وتكلفهن لنسيان أثر ما بعد الحرب الذي يصعبُ نسيانه!

أما حضور الكائنات الحية، فهو حضورٌ رمزي، مفتوحٌ لتأويلات المتلقي، الذي قد يجدُ فيها فسحةً للإلهاء والشرود من تبعات الحرب، التي لم تستطع بعض النساء التخلص منها، رغم ما تفعلهُ من مواربة سيكولوجية للفكاك، كأن ترتدي الحذاء الأحمر ذو الكعب العالي، في قدمها الوحيدة المتبقية، أو تلهو مع الكائنات رغم الوجع، أو تزين نفسها بالزخارف والحلي رغم الأثر المدمر للحرب.

كذلك تركزُ بعض اللوحات على المدن، أي أن النساء فيها يقفن بارزات، ومن خلفهن مدنٌ أو هن خارجات من أوساطها كدخان، إذ تؤكد هيلدا بأن «نساء بعد الحرب» يشهبن المدن التي تعاني من ويلات الحرب، فكما تناضل المدن يتناضل النسوة، وكما تواجهٌ هذه المدن التحديات يواجهن،

إن هؤلاء النسوة «يفقدن، ويجهرن، ويحرمن، ويبكين.. لكنهم كذلك يضحكن، ويبرزن بكامل زينتهن»، أنهن ينتصرن على الحرب، تلك التي لا بتدو ظاهرةً في لوحات هيلدا، بيد أنها المرجع الأساسي للوحة، فالحرب وإن كانت خفية، إلا أن أثرها غيرُ خفي.