يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

من مسرح اغتيال الجنرال

الكاتب:
القارئ: معن صافي
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-07
5
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ليس بعيدا عن مسرحِ اغتيال الجنرال، تسمعُ هتافات الشباب العراقيين وأغلبهم شيعة “إيران برة برة بغداد حرة حرة”، وبعد أن قاموا في شهر نوفمبر من العام الفائت بحرق السفارة الإيرانية في النجف، ردت الحكومة بالقناصة وقتلت في الناصرية أكثر من ثلاثين متظاهرا، ليصل عدد ضحايا المظاهرات منذ اندلاعها في شهر اكتوبر من العام الفائت أكثر من خمسمائة قتيلٍ وحوالي عشرين ألف جريح، وفي تطور لافت يؤشر المرجع السيستاني على ضرورة استقالة الحكومة فيقدم رئيس الحكومة استقالته للبرلمان وتقبل.

ثورة الشباب تخرج من المدن الشيعية الكبيرة، وعنوانها رفض التحالف الطائفي مع إيران، والمطالبة بخدمات كهرباء وماء ووظائف، وقد وضعت تلك التظاهرات الحكومة في مأزق، كما أنها أحرجت أكثر ما أحرجت الجنرال السليماني، حيث وضعت مهمته التي تتمثل بالحرص على استمرار حكومة عراقية مؤيدة لإيران في مأزق غير مسبوق.

في ظل حاجةٍ ماسةٍ لخلق مخرج لمأزق الحكومة العراقية أمام المتظاهرين تم التعرض للسفارة الأميركية في بغداد ثم تم تصفية متعهد أميركي ومجموعة من الجنود الأميركان، وتشير أصابع الاتهام الى الحشد الشعبي الذي يعتبر فصيلا طائفيا مواليا لإيران وذراعها العسكري على الأرض العراقية.

ترامب يتلقى الخبر وهو يعاني من ملاحقة الكونجرس له ومحاولة عزله، وحليفه في المنطقة نتنياهو يعاني أيضاً من ملاحقات قضائية بتهم فساد، وإن إشعال فتيل الأزمة مع إيران والتوجه لعدو خارجي هو أفضل ما يخدمهما ويعزز فرصتهما في الانتخابات المقبلة، خاصة وأن تصرفات ترامب تذكرنا بممارسات “زعماء الاحزاب العربية الحاكمة”، فقد تجاوز المؤسسات الأميركية القانونية والسياسية، ولم يعد يعيرها أي اهتمام.

الجنرال سليماني كان دائما تحت نظر الأميركان، وأزعم أنهم على اطلاع على تحركاته ومكالماته، وهذا ليس فقط بسبب تفوق أميركا الاستخباري والعسكري، بل أيضاً لأن الجنرال ما كان ليخفي عن الأميركان ماذا يفعل، فمهمته تقتضي الإعلان وليس السرية، وهو يتصرف في العراق وسورية ولبنان باعتبارها ساحة نزاع مع الأميركان خارج حدود إيران، وهو نزاع علني ومكشوف للجميع.

مقتل الجنرال يحقق مخرجا للحكومة العراقية، ويرفع ولو مؤقتًا الضغط الذي تئن تحته في مواجهة المتظاهرين فقد وضع الاغتيال العراق في حالة حرب بشكل غير مباشر، ذلك أن ساحة العراق اليوم مرشحة لتكون ساحة ثأر متبادل بين أميركا وإيران، ولهذا سيتم شيطنة المتظاهرين وتصنيفهم في دائرة أعداء الوطن، وتستبدل مطالب ثورتهم بمطلب إخراج الأميركان من العراق والانتصار على الأميركان!.

ومقتل الجنرال أيضاً فيه مخرج لإيران من هذا الجنرال الذي رفض الشعب العراقي مشروعه في العراق ووصل الأمر بهم إلى حد شتم المرجعيات الإيرانية علنًا، وبنفس الوقت فقد أثبت الواقع أن شعبيته بشعبية الخميني، وليس فقط الخامنئي، ولهذا فإن مقتله يحقق تجدد حالة العداء لأميركا، ويخفف من وطأة ثورة الشعب العراقي ضد إيران.

مقتل الجنرال فيه خدمةٌ عظيمةٌ لترامب ونتنياهو معاً، حيث إنهما يعيشان شعبيا على استعداء إيران، أما الموقف الأوروبي ــ وقد عبر الأميركان عن خيبة أملهم فيه ــ فإنه يتمثل في مراقبة الموقف للتأكد من ضمان وصول غاز البحر المتوسط لبلادهم عن طريق روسيا سورية أو عن طريق حلف اسرائيل قبرص اليونان “الغازي الجديد”، أو عن طريق الحلف التركي الذي يتبلور الآن مع فصيل ليبي.

أين الدول العربية من كل ما يجري؟، العرب غائبون، نعم فإن مقتل الجنرال يمثل إعلان إفلاس لجميع الدول العربية سياسيا واقتصاديا وإنسانيا، وإثبات عملي على أن الدول العربية من أكبرها الى أصغرها هي فقط ساحة تنفيذ للممارسات السياسية والعسكرية لدول العالم أجمع، وخاصة أميركا والغرب، وليس لها في ذلك حول ولا قوة، فتبعيتها العسكرية والمالية تحدد اصطفافها بغض النظر عن مصالح شعوبها، كيف ستثأر إيران وكيف سترد أميركا، هذه التفاصيل لم تعد مهمة أمام حالة الهوان العربي.

أما حفلةُ اللطم أو احتفال النخب السياسية العربية ورعاة التواصل الاجتماعي، على اغتيال الجنرال فهي دليل جديد على الإفلاس السياسي لهذه النخب تماماً مثل إفلاس دولها والعوض بسلامتكم، فاهم علي جنابك؟!