يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

معادلة التطوير والرّقابة

المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2021-04-03
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

نسمع الكثير اليوم عن الرقابة والمحاسبة، ولا نكاد نسمع شيئاً عن التطوير. مجتمعنا مُستنفِر، وتفشّت فيه ثقافة الغضب نتيجة سوء الأداء في العديد من القطاعات، مع أن العديد من القطاعات بالمقابل أداؤها قد تحسن على نحو ملحوظ. قبل عقود كان القطاع العام، على نحو عام، متميزاً في أدائه، كفؤاً، رشيقاً، يؤدي المهام المطلوبة منه باقتدار، ويتمتع بدرجة عالية من الجودة. مع مرور السنين، تردّى، لأسباب معروفة، فصار همّاً من همومنا، وأمسى عبئاً عليناً. ماذا نفعل إزاء هذا الواقع غير السّار؟ نفعل - عادة - أمرين اثنين. الأول ويتمثل في تذمّرِنا وندب حظّنا ولعن الظلام، بدلاً من البحث عن الحلول وإضاءة الشموع. وهذا هو الأسهل. الأسهل ألف مرّة أن نتذمر وننتقد ونلقي باللائمة على الآخرين من مواجهة الواقع، وأخذ زمام المبادرة، والبحث عن حلول عملية.

الكلام أسهل من الفعل. أما الآخر، فيتجسّد في الدعوة إلى الرقابة والمحاسبة والعقاب. وهذا أيضاً أسهل من التصدي للمشاكل ووضع الخطط الكفيلة بحلّها. لا نريد أن نبدو وكأننا نُقلّل من أهميّة العمل الرقابي أو المحاسبة والعقاب، فهذه أمور مهمة وطبيعي جداً أن تلجأ إليها المجتمعات، ولا ننسى المبدأ القرآني المهم: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب». لكن الاقتصار على اللوم والنقد والتلويح بالعصا لا يحل المشكلات وحده، بل لا بد من أن يسبقه أو يوازيه عمل مهم آخر، يتمثل في التصدي للمشكلات ومعالجتها، من خلال أفعال استباقية علاجية تطويرية. في الحقيقة كل شيء في هذه الحياة بحاجة إلى تطوير وإدامة. تَبني مبنىً، تشقُّ طريقاُ، تُؤسّس مصنعاً، تضعُ نظاماً؛ وبعد انقضاء مدة من الزمن تجد المبنى أو الطريق أو المصنع أو النّظام بحاجة ماسة إلى الصيانة والترميم والإصلاح والتطوير. وهذه سنّة الحياة. لكنّ المشكلة الأساس في مجتمعنا تكمنُ في أننا نؤسس ونبني ونفتتح المشاريع، لكننا نُغفِل موضوع الصيانة والإدامة والتطوير. فتترهل مؤسساتنا ويتردى أداؤها وتتهاوى أمام أعيننا، دون أن نحرّك ساكنا؛ وبعدها نبدأ بالتذمر والانتقاد، ثم نتهدد ونتوعد ونطالب بمزيد من الرقابة والعقاب. وكأنّ الإبل تورد هكذا. الأصل أن أي مشروع أو أي خطة أو أي عمل لا بدّ وأن يتراجع إن لم يُصن أو يُدعم أو يُطوّر أو يُدام. ّ

ومن هنا، فعلينا التركيز على خطط الإدامة وخطط التطوير المستمرة، وخطط تحسين الأداء وتجويده، قبل – أو على الأقل بموازاة – الحديث عن المحاسبة والرقابة. مجتمعنا بحاجة إلى تفكير عقلاني متّزن، وخطط تطوير رصينة؛ لا إلى الانفعال والخطب النارية والتهديد والتلويح بالعصا كلّما حصل خطأ أو حلت بنا إشكالية، نتيجة إهمالنا للصيانة أو التطوير أو الإدامة أو الإدارة. ويؤكد علماء النفس أن أسوأ القرارات هي التي تُتّخذ في حالة الانفعال أو الغضب. المعادلة، إذاً، يجب أن تكون: تطوير ثم رقابة ومساءلة؛ فالاجتزاء هنا لا يخدمنا في شيء.