يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

متحف للخسارات!

المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-08-13
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

موجع هذا الإحساس الذي ينتابنا، كأمة، عقب كل حادثة تراجيدية: إننا نرجع للخلف عشرين سنة في نهاية كل سنة!
إن على صعيد تركيبتنا الاجتماعية أو أحلامنا العربية أو حتى الثقافة التي تلظم تشكلنا كأمة قديمة.
نخسر.. نخسر دائما.. نخسر باستمرار، ومن رأس المال!
ولا نعوض شيئا في السنة المقبلة.
نخسر عاصمة، مشروعاً كبيراً، قيمة اجتماعية، رمزاً، ونكوّم خسائرنا فوق بعضها، أو ننهمك في عدّها، وكل خسارة لنا يراكمها الآخرون لهم أرباحا صافية!
ما جدوى السنة المقبلة أو السنة التي تلحقها؟
ستدمي أرواحنا صور كثيرة على الفضائيات، وسنشارك في جنازات كثيرة إن مشيعين أو قتلى، وقد تلحق بنا خسائر عاطفية مدوية أو نبكي كما النساء عواصم مضاعة لم نصنها كما الرجال!
ثمة الآن، في هذه اللحظات، بشر في سجون سرية كثيرة، سنشاهد برامج عنهم العام المقبل بعد إذابتهم في غرف التعذيب!
الآن، الآن بالضبط، تلد عراقية طفلا سيموت بعد أشهر في انفجار ما!
والآن، أيضا، ثمة فلسطيني يطرق باب بنك ليأخذ قرضا لبناء بيت ستهدمه الجرافات قبل آخر السنة!
وربما، في هذه اللحظات، تتلقى صبية وعودا بالوفاء وبالرفاه وبالزواج، ستكتشف لاحقا أن العاشق البطل تزوج أميركية من أجل الجنسية!
والآن، ثمة رجال غامضون، في مكان ما من العالم يرسمون خريطة العالم الجديد.

لكنّه بين تاريخ تتدلى من أطرافه النياشين والأوسمة وأخبار الفتوحات، وحاضر محتشد بالمعارك السريالية على شاشات الصحن اللاقط يقف “العربي” مشدوها، ومصابا باحتمال التورم في “الأنا”.. أو بالفصام!
ففي ظل تاريخ مزركش لا نحمل أي شهادة ملكية له، يبدو مضحكا وعبيطا إعادة إنتاج هذا التاريخ بكل الوسائل: روزنامات، مسلسلات، فوازير، علب حلويات، قصائد عمودية.. كل الوسائل إلا الحرب!
الحرب الوحيدة المتاحة هي تلك التي تنشب الآن بين “العربي” وذاته: هل أنا سليل كل هذه الانتصارات؟
وكل هذه السيوف كانت معلقة في صدر بيتي؟
كيف يفهم “العربي” أن أجداده كانوا يربطون خيلهم كل يوم على ناصية بلد جديد!
وهو يرى الخيل قد صدئت أكعابها منذ آخر رحلة صيد، وقيادها موهوب للصحابة في واشنطن عن طيب خاطر!
هل نصدق الرواة ومن انضم إليهم من المخرجين الحاذقين؟
أم متاحفنا المليئة بالخسائر..
وهل نصدق دمنا المطلول.. أم دم العدو الذي يتناثر على صفحات الكتب، وعلى الشاشات كلما ضغطنا زر “الريموت كونترول”؟!
إنهم المخرجون يا صاحبي!
يقترحون الدول، ثم يهدونها تاريخا جاهزاً، ومعلباً، وطازجاً،.. وصالحاً لاستعمال الرواة!