متاهات الدعاية

القارئ: لينا صافي
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2019-12-16
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

بفضل التكنولوجيا الرقمية، تطورت أساليب وتقنيات الدعاية التي بدأت كوسيلة تستخدم في الماضي لتأجيح الحرب النفسية في الحروب كما في الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال. أما اليوم، فأصبحت تُستخدم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… ونظرا لتطور وسائل الإعلام، خصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت الدعاية أكثر انتشاراً، وأشد تأثيراً مما مضى.

وغالباً يعتمد صُناع القرار على كوكبة من الخبراء والمتخصصين في العلوم الإنسانية للتنبؤ بسلوكيات الناس ودراسة بيئاتهم ومعاييرهم الاجتماعية وأيديولوجيتهم وفهم حاجاتهم وتطلعاتهم، للتوصل لمنتج يُلبي رغباتهم، وتصميم نماذج دعائية قائمة على الإقناع تستقطب اهتمامهم، وأحياناً يُستغل ذلك لتشكيل آراء الجمهور وتغيير بعض من قناعاته أو التأثير عليه، أو لتجهيله باختلاق المشاكل السطحية التي غايتها إلهاؤه وتشكيكه بكل ما يجول حوله من أخبار واحداث لإضعاف قدرته على التفكير النقدي والحكم. ومن ثم التحكم بهم.

كما نشهد وللأسف اختراق الدعاية لحياتنا اليومية والتي تقوم الأغلبية بإعادة نشرها وتضخيمها، خصوصاً في التراشق الذي يجتاح وسائل التواصل الاجتماعي على بعض المشاركات السياسية وتحول التفاعل بين الأفراد إلى آلية لاستهلاك الأخبار الموجهة أو الوهمية من دون إدراك ووعي بمضمون ومحتوى تلك الدعاية التي تعبر في كثير من الأحيان عن المصالح السياسية والتقائها في ذات الوقت بالمصالح التجارية، خصوصاً لملاك بعض تلك المنصات التي تعتمد على زيادة المشاركة، مما يُمَكن المستفيدين من حصر البيانات الشخصية للمشاهدين واستغلالها بالطريقة التي تحقق لهم مكاسب ربحية خاصة.

ولا يتوقف تأثير الدعاية عند الأفراد وداخل المجتمعات، بل تُستغل كذلك بطرق عديدة بين الدول.

وهذا لا يعني أن تقييد أو منع الإعلام الرقمي الذي تسعى إليه بعض الدول مثل كوريا الشمالية وبعض الدول الشرق أوسطية سيقلص التدخلات الخارجية المفروضة بسبب الانفتاح وما يلحقه من تغييرات لا تستوعبها تلك الأنظمة الجامدة التي تخشى من تبعات ذلك التغير الذي قد يهدد سلطتها ونفوذها أو يهدد أمن واستقرار دولها.

لذلك، سعت بعض تلك الدول إلى طرق أخرى بعيدة عن العزل الكامل لحفظ سيادتها، كتجنيد الذباب الإلكتروني الذي يقوم بدور الدعاية لتلك الأنظمة وإثارة واختلاق الاخبار المضللة ومحاربة وتشويه كل فكر يعارض أو ينتقد الوضع السائد، أو يتم استغلال بعض المثقفين أو الكتّاب المعروفين أو الأكاديميين أو الإعلاميين أو مشاهير يحظون بقدر من ثقة أو إعجاب الجمهور ليضفوا المصداقية على طرحهم ضد الطرف الآخر، وتغييب وعي الجمهور وتخويفهم من نظرية المؤامرة التي قد تكون بالفعل حقيقية ولكن الشعوب التي تحظى بحقوقها وكرامتها لا تتأثر كثيرا بذلك.

اليوم لغة المصالح هي المسيطرة على واقع الحال ليس فقط في إقليمنا بل في العالم بأسره، وما الدعاية إلا جزء بسيط من التطور التكنولوجي الذي نعيشه، والوعي وفهم الوضع بشكل موضوعي ومحايد، والنظر لتوقيت الحدث وعلاقته بالأحداث المهمة المتداولة في الساحة، والتصرف وفقا للحقائق وبعيداً عن الأحكام المسبقة، هي السبيل الذي قد يقينا من الانجراف خلف متاهات الادعاءات الكاذبة والمضللة التي لا غاية لها إلا تسطيح عقولنا وإبعادنا عن المشهد.