ماذا يعني عودة نتنياهو لأسلوب الاغتيالات الرخيص؟

القارئ: رند العلمي
المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-11-15
12
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

توحي الجولة التصعيدية الخطيرة والمتهورة من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو “المأزوم سياسيا” باستهداف القيادي العسكري من الصف الأول في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا وزوجته، في قصف صاروخي على منزله بشرق غزة، بعودة الكيان الصهيوني من جديد إلى سياسية الاغتيالات الرخيصة، حيث تعد هذه العملية الأولى من نوعها منذ اغتيال أحمد الجعبري، نائب القائد العام لكتائب القسام، في عام 2012، والذي فجر اغتياله حرباً استمرت ثمانية أيام.

ولأن الاعتراف هو سيد الأدلة، فقد أقر نتانياهو شخصيا، بأن المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية صادق بالإجماع على اغتيال أبو العطا قبل عشرة  أيام، وصادق على كلامه  رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” نداف أرغمان، قائلاً “إن توقيت اغتيال أبو العطا جاء لأسباب مهنية” .

هذان الاعترافان من قبل أكبر مسؤولين في الكيان الصهيوني، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن سياسة الاغتيالات نهج إسرائيلي وتكتيك لا يتغير، وأن خفوته المؤقت لبعض الوقت لا يعني الاستغناء عنه أو شطبه من جدول أعمال الإسرائيليين، فهو دائماً سلاح مشهر يظهر وقت الحاجة، ووفقاً للتقديرات الاسرائيلية، وعلى الفلسطينيين أن يتحسبوا ذلك مرة بعد مرة، وأن يدركوا  أن الاسرائيليين لا يعنيهم الظهور في الإعلام الغربي بمظهر القاتل الغادر.

لكن توقيت الاغتيال له دلالاته السياسية أيضاً، حيث يبدو أن نتنياهو قرر الهروب للأمام في ظل توجه خصمه السياسي بيني غانتس زعيم ائتلاف “أزرق أبيض” إلى تشكيل حكومة ضيقة، قد تطيح به خارج المعترك السياسي، ولهذا فإن نتنياهو يحاول استجماع شعبيته المفقودة على حساب جثث ضحاياه في غزة، الأمر الذي يتيح له تشكيل حكومة يمينية متطرفة من جديد.

وعلى ما يبدو، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي يراهن على البقاء في منصبه لفترة أطول، خاصة بعدما مني بسلسلة من الخسائر الانتخابية التي أفقدته توازنه السياسي، ولعله يشعر، فيما أعتقد، بوضعية المنبوذ، أو السياسي الذي فات زمنه، وأصبح من مخلفات الماضي، وهو لا يريد حتماً، كما سارة زوجته ومعلمته الأثيرة، أن يتجاوزهما الزمن.

لم يكن اغتيال أبو العطا إذاً لتحقيق أهداف أمنية بحتة، بل يمكن تفسيره في إطار إيجاد غطاء سياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي من أجل تحقيق هدفين أساسيين الأول عرقلة زعيم المعارضة بيني غانتس والحيلولة بينه وبين تشكيل حكومة ضيقة، خاصة وقد تبقى على سقفه الزمني أيام قليلة فقط، وإجباره على تشكيل حكومة وحدة أو حكومة طوارئ، وفي حال فشل ذلك، فإن غانتس سيعيد كتاب التكليف إلى رئيس الكيان الاسرائيلي، الذي بدوره سيعلن عن دورة انتخابية ثالثة في شباط (فبراير) المقبل، أما الهدف الثاني لنتنياهو من العملية الرخيصة فهو إضافة نقاط تبدو مصيرية إلى رصيده الشعبي المتدهور.

الأخطر، أن المواجهات التي جرت خلال الساعات الماضية  واستدعاء الجيش الاسرائيلي للمئات من الجنود الاحتياط، وإعلان حالة التأهب والاستنفار في البلدات الإسرائيلية على مدى ثمانين كيلومترا من حدود قطاع غزة، وتوعد المقاومة في المقابل برد موجع ومزلزل للاحتلال، يوازي الجريمة ويمنع تكرارها، تؤشران على أن التصعيد نحو حرب طويلة الأمد أمر وارد، مالم تتدخل أطراف كلاسيكية مثل الولايات المتحدة ومصر لاحتواء التصعيد الذي يلوح في الأفق، ويهدد بحرب استنزاف شاملة بين الجاني والضحية، ولهذا فمن المتوقع أن تسعى إسرائيل خلال الساعات القادمة لامتصاص الغضب الفلسطيني، واعتبار عملية الاغتيال جولة عابرة، وتجنب إضافة عناوين جديدة إلى سجل إخفاقاتها السابقة أمام المقاومة الفلسطينية، وسيكون رهان إسرائيل الأساسي على دفع الوسطاء التقليديين للطلب من الفلسطينيين بتهدئة الأمور وتفادي التصعيد والخروج بصفقة ما.