ماذا خسرنا بفقداننا الصحافة التقليدية ؟

الكاتب:
القارئ: شذى فيصل
المصدر: عكاظ
تاريخ النشر:  2020-02-13
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

عاشت الصحافة السعودية عصرها الذهبي في الفترة ما بين 1980-2005، كان الحضور الخبري والتنافس في أوجه، مولدا في ما بينها صراعا عنيفا للحصول على رضى القراء وإقناع المعلنين، لكنه أبدا لم يخترق حدود اللياقة والأمانة للحصول على أكبر عدد من المتابعين، حتى أن أرباح الصحف قفزت لأرقام قياسية تجاوزت النصف مليار في بعض المؤسسات الصحفية.

تجذرت الصحافة التقليدية في نفوس السعوديين في تلك الفترة لأسباب عديدة، من أهمها أنها قدمت بديلا خبريا ومتنفسا للمتلقين ونافذة على العالم لم يلبّه الإعلام الحكومي، الذي بقي أسيرا لتحفظات وتحسبات ربما كان باستطاعته تجاوزها لو حاول الخروج من مربع «الخصوصية» الذي سجن نفسه داخله.

لبت الصحافة السعودية الخاصة بكل منصاتها الورقية والتلفزيونية والإذاعية ما كان يبحث عن المتلقي المتعطش، انعكس ذلك على الحصة الإعلانية لتصبح السوق السعودية الأكبر والأضخم في المنطقة، فالمعلن الثري كان يبحث عن منصات تغطي حاجة كبار المنتجين وهو ما وجده فيها.

بالتأكيد أن الوسائل استسلمت لإغراء المال ولم تستثمره للأسف بشكل مثمر وتوقعت أن النبع لن يجف، سواء ببناء أوقاف تنفع في اليوم الأسود، ولا حتى في العنصر البشري بالتدريب والتأهيل لكوادر تواكب التقدم السريع الذي التهمها في ما بعد.

لكن الأهم من هذا كله والخسارة الفادحة، كانت في فقدان المحتوى الرصين الذي تصنعه الصحافة التقليدية، وهي التي بنت طوال تاريخها الكثير من قيم الخبر والتحقيق والحوار ورفعت من المصداقية وأعلت مكانتها، كان محتوى الإعلام التقليدي ملبيا لأركان المعلومة حريصا على ذائقة المتلقي ملتزما بالأمانة المهنية والوطنية، ومترفعا عن الابتذال والرخص.

عندما فقدنا الإعلام التقليدي الذي كان يقدم مضمونا موثوقا انفرط العقد وتنوعت المنصات وأصبح من السهل على طفل صغير لا يتجاوز الأعوام الخمسة أن يمتلك قناة وجمهورا، والمهم من ذلك كله أن يتم صناعته على مرأى ومسمع من الجميع كمؤثر.

ليس الأطفال فقط بل انضم الجهلة وعديمو المعرفة، وهوامش المجتمع لأولئك المشاهير، بالتأكيد هناك أسماء مهمة تحمل المسؤولية وتصنع محتوى مفيدا ولائقا، لكنهم ضاعوا بين ذلك الكم الهائل من «الرخص».

كانت الرقابة الحكومية والاجتماعية على الإعلام التقليدي التي تذمر منها البعض وحرض ضدها البعض كفيلة بحماية المجتمع من أي انزلاق قد يحدث، بل إن التحريض الموجه الذي اندفع ضد الإعلام التقليدي طوال عقدين من مؤسسات حركية لم يكن يوازي الأخطاء الصغيرة إن حدثت، كان تحريضا من أجل الإسقاط فقط.

مثل ذلك التنمر لا نراه اليوم أمام هذا الانفلات الهائل في محتوى قنوات مثل اليوتيوب والسناب الموجهة لفئات عمرية متنوعة معظمها صغيرة السن، وبأدوات متاحة وفي أوقات مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها.

في حقيقة الآخر أن الخسارة الفادحة التي تلقاها المجتمع بتفريطه في الصحافة التقليدية لا يمكن تقدير أثره ولا تبعاته، وكل ما يمكن التحذير منه أن المجتمع سيجد نفسه خلال العشرين سنة القادمة أمام نتائج لـ«سوشليين» من المنفلتين عديمي الذوق والأخلاق قد اختطفوا الإعلام الحديث وبثوا من خلاله محتوى خطيرا ومن دون قيم، الهدف منه جمع أكبر قدر ممكن من الأموال تتيحها المشاهدات العالية، دون النظر للمسؤولية الأخلاقية التي يجب أن يلتزموا بها أمام مجتمعهم، وكمثال حي على ذلك، علينا أن ننطر فقط لبعض الهاربات إلى الغرب اللاتي استطعن توظيف أجسادهن وبث مشاهدات خادشه للحياء من أجل قبض ثمنها إعلانيا.