يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

كان العقل.. ثم كانت الحياة

القارئ: معن صافي
المصدر: الإتحاد
تاريخ النشر:  2019-10-27
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في البدء كانت الكلمة، والكلمة لا تكون إلا حين يكون هناك عقل واع قادرٌ على التخيل وفهم دلالاتها. فالعقل سابق لكل معطيات التطور والحضارة ، حين جاء الإنسان العاقل إلى الأرض منذ آلاف السنين ظل حبيس تصوراته الخرافية حول الحياة والكون، ولجأ إلى بناء الأساطير ليسد تلك الفراغات التي خلفها جهله بالكون، وكانت هذه هي الشرارة الأولى التي انطلق منها شغفه بالمعرفة وتفسير الغامض من مظاهر الحياة، ذلك الشغف الذي دفع الإنسان لاكتشاف النار، واكتشاف الزراعة والخروج من الكهوف إلى البيوت والتمرد على الخوف من الطبيعة إنها اللحظة التي أدرك أن قوته تكمن في عقله.

وطوال تاريخ الإنسان، وتشابك العلاقات التي ربطته ببقية الموجودات في الكون والجماعات المختلفة، التي تناثرت بين أرجاء الأرض، كان العقل يميل إلى بناء تصوراته الأولى للقوانين التي تربط وتنظم العلاقات ما بينه وبين باقي البشر، وما بينه وبين الحياة، وبدأت تتشكل الأخلاق التي تراكمت مفاهيمها المختلفة، وتكون سلم القيم، وتفرع ليصبح لكل مجتمع سُلمه القيمي الذي يتشابه ويختلف مع الآخرين، ولكن لا يتضاد، وتظل الاختلافات في الأولويات، ولكن تبقى القيم الأساسية جزءاً أصيلاً في سلم القيم لجميع الجماعات البشرية، التي تكونت بعد ذلك وتطورت، ووصلنا إلى ما نحن فيه الآن من تعقد في شبكة العلاقات الإنسانية.

مع تطور الحياة، وتقدم الزمن، وتراكم الموروث، تحدث حالة تجمد وانغلاق عقلي وضياع للشغف في بعض المجتمعات، ومثلما حدث بمنطقتنا العربية حين ظهرت سلاسل الموروثات العقيمة التي كبلت الشغف، فتباطأ نمو العقل، وتجمدت رؤيته للكثير من العلاقات ما بين الإنسان والحياة عند رؤية من سبقونا بمئات بل بآلاف السنين، وتحول العقل بعد فترة من فقدان الشغف إلى صورة مشوهة من عقول سبقتنا، فلا نحن بنينا على ما أتموه ولا صنعنا جديداً ، بل ظللنا حبساء داخل عقولهم وتصوراتهم التي تواءمت مع زمن اختلفت معطياته تماماً، ولم يمتلكوا وقتها هذا القدر من التراكم المعرفي، الذي نمتلكه اليوم، والأكثر قسوة أننا لا ندرك أن شغفنا وعقولنا وأخلاقنا مكبلة.
مع إدراك تلك السلاسل التي صدأت، بدأنا مرحلة التخلص من التجمد والخروج من صدأ التجمد إلى لمعان التحرر، وأدركنا أن هناك فرزاً لموروثنا القيمي والأخلاقي والمعرفي لابد منه، فليس كل موروث جيداً، وليس كل موروث يصلح للحاضر المتسارع في التطور.

كيف يمكن أن ننتج أجيالاً قادرة على الفرز؟ وإدراك أن سلم القيم والموروث هي قيمة خاضعة للتغير والتوائم مع متغيرات الحياة الحديثة؟ نعود لسلسلة العقل، الشغف والأخلاق .. بناء عقل متساءل قادر على التلقي وبناء رؤية خاصة به حول ما يتلقاه ونقده ثم إعطاء هذا العقل الحق في ممارسة شغفه بالخروج على المألوف وبناء وعي وإدراك مختلف ليعيد تقييم الأخلاق والقيم والمبادئ، ويتحرك مع الحركة العامة للبشرية فنحن جزء من البشر إما أن نتحرك معهم أو نتمسك بالبقاء متقوقعين، فيأتي يوم نصحو لنكتشف أننا أصبحنا تائهين في كهف من الموروث، فلنفرز موروثاتنا، ولنحمل منها الحي والمتناسب مع سرعة الحياة، ولنترك وراءنا السيئ، ولنحتفظ متحفياً بذلك الموروث، الذي فقد حيويته مع حركة الحياة لتصبح قيمته تاريخية. لنعلم أننا مجتمعات تتطور وتبني حضارة ضمن حضارة بشرية جامعة وجامحة قائمة على العلم والمعرفة والعقل والإدراك.