قانون الزكاة.. والمزيد من الشعبوية

القارئ: ليلى السيد
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-10-07
5

للزكاة قيمة دينية وإنسانية خاصة ونبيلة، فهي ليست فقط تأدية لعبادة، بل تطهير للنفس، وتعظيم إنسانيتها وسموها. كثير ممن يزكّون أو يتبرعون يفعلون ذلك خدمة لنفوسهم وتطويعاً لها، ولإعطائها الشعور بالرضى والسكينة. في المجتمع الاردني الكريم والمليء بالمروءة، تسود وتنتشر قيم الزكاة والاحسان والمساعدة، لسنا بحاجة لتدخل حكومي من أجل حثنا على ذلك، بل أجزم أن أي تدخل حكومي سيضر بهذه القيمة المجتمعية النبيلة، وهذا الركن الديني الأساسي.

في وقت تئن فيه الخزينة تحت وقع المطالبات المتكاثرة، وفي وقت تعلن فيه الحكومة تراجع عوائد وإيرادات الضريبة، تقر وبرمشة عين، ودون أي حوار، قانوناً يمكن بموجب المادة (ب) منه أن “للمزكي تنزيل ما دفعه فعلاً للمؤسسة العامة للزكاة (وهي هيئة مستقلة جديدة ستنشأ بقانون بعكس التوجه العام بإلغاء الهيئات) من الضريبة المستحقة عليه لسنة التقديم نفسها.. ووفق نظام خاص يصدر لتنظيم هذه المسألة والنسبة التي يسمح بتنزيلها على ألا تقل عن (50 %) من الضريبة المستحقة”، والمادة (ج) “المبلغ المتبقي من الزكاة المدفوع للمؤسسة بعد التقاص مع الضريبة.. يجوز تنزيله من دخل المكلف بموجب أحكام قانون ضريبة الدخل النافذ”.

كيف يمكن فهم هذا التناقض الا أنه شعبوية مفرطة، وتجسيد لعقلية استسهال التضحية بموارد الخزينة، وروحية “أنا ومن بعدي الطوفان” ومن يأتي لاحقاً “يدبر حاله”. ثم منذ متى تدخلت الحكومات بالعبادات في الأردن إلا بجوانبها التنظيمية؟ أليست الزكاة ركناً من أركان الاسلام التي يجزي فيها الخالق عباده؟ لماذا تتدخل الحكومات الآن لتجزي عباد الله مالياً إذا ما قاموا بفرائضهم؟ ألا يمكن الآن لمن يمارس ركن الحج أن يطالب بخصم تكلفة حجه من ضريبته المستحقة عليه؟ ماذا عن الأردنيين غير المسلمين وهل نعطيهم نفس الإعفاءات الضريبية اذا ما تبرعوا لجمعياتهم الخيرية أو لأفراد على شكل زكاة؟ هل إقرار القانون يعني الاعتراف ضمناً بفشل جهود مكافحة التهرب الضريبي واللجوء لأساليب التحفيز الدينية لحث المتهربين من دفع الضريبة بشكل زكاة؟ ثم ماذا عن دور مؤسسات الدولة الرسمية والناجحة التي تقوم بنفس دور المؤسسة المنوي استحداثها، أهمها وأوضحها صندوق المعونة الوطنية الممول من خزينة الدولة الممولة من الضريبة؟

لا أجد إجابات ولا منطقا مقنعا خلف إقرار هذا القانون الذي رفضته عدة حكومات، وأعتقد أنه يثير العديد من الأسئلة الفقهية والمالية أكثر مما يحل المشاكل التي أتى لحلها. النتيجة المباشرة لهكذا قانون نقص ملموس لعوائد الخزينة، وذهابها للمؤسسة العامة للزكاة ليقرر مجلس أمناء من أحد عشر شخصا أوجه إنفاقها، في حين أن أموال الخزينة يقرها كافة أعضاء مجلس الوزراء ثم تذهب للبرلمان بشقيه ليناقشها ويمحص فيها.
لما سبق، لا أعتقد أن العقل الذي وقف خلف هذا القانون قد تدبر. المشكلة أن مجلس النواب بتكوينه ودوره لا بد أن يكون شعبوياً فهذا عمله، لذا فسيكون على مجلس الاعيان دور مهم في التعامل مع هذا القانون.