يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

فنتازيا ساخرة

الكاتب:
القارئ: معن صافي
تاريخ النشر:  2020-02-04
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

وبينما كنت أتابع أخبار انتشار فيروس كورونا قفزت إلى ذهني فكرة، كيف يمكن لفيروس ضعيف لا يرى بالعين المجردة أن يهزم الإنسان، أن يتحول إلى قاتل جبار، يقف أمامه الإنسان ضعيفاً عاجزاً بلا قدرة على المواجهة.

تلك مفارقة مؤلمة، كأنها فنتازيا ساخرة، الصراع بين الإنسان والمخلوقات التي لا يمكن رؤيتها، كأنه صراع مع المجهول، ويخسر الإنسان بكل قوته وهيمنته وعنجهيته تلك المعركة فيفتك به فيروس لا يرى بالعين المجردة.

تذكرت قصة النمرود، ثم قفزت إلى ذهني رائعة غابرييل غارسيا ماكيز «الحب في زمن الكوليرا»، حيث ينتشر الوباء ليدمر كل شيء في طريقه، ليجعله ماركيز منصة إبداعية لانتقاد الواقع المؤلم ولتفسير الحب الذي يرفضه المجتمع والدين، ولينطلق من ذلك إلى سبر أغوار النفس بكل ما تحتويه من تناقضات عاطفية.

الفيروس ذلك الوحش الخفي الذي لا يمكن رؤيته، يخلف مآسي إنسانية، كصراع عبثي، يتحول من خلال رمزية فلسفية عميقة إلى أعمال أدبية ترتقي لمستوى رفيع من الإبداع، كما في رائعة الفرنسي ألبير كامو «الطاعون» التي حصلت على جائزة نوبل.

تُرى هل يأتي الفيروس حاملاً معه تلك الرؤية الفلسفية والفكرية، أم أنه يحمل في طياته نقداً شنيعاً للمجتمع، لتعرية ممارساته الفاضحة، ربما كما فعل الوباء الذي وظفه نجيب محفوظ توظيفاً عميقاً في رائعته «الحرافيش»، فقد ينجو الإنسان من الوباء لكن هناك أوبئة أخرى في المجتمع، «طواعين» أخرى، مثل الفساد والظلم التي قد تفتك بالأرواح والأخلاق وبالقيم المجتمعية.

ربما يكون الوباء في الأعمال الأدبية مجرد رمزية وتوظيف فلسفي، لكن الأوبئة أو الأمراض بشكل عام، تذكرنا دائماً بحقيقة واحدة، وهي أن القوة ليست بالحجم، بل هي بحجم التأثير، وإن الإنسان مهما تجبر وتكبر هناك دائماً شيء أقوى منه.