يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

فضيلة الاعتذار والاعتراف بالذنب!

القارئ: شذى فيصل
المصدر: البيان
تاريخ النشر:  2019-12-15
14
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

قالت العرب: «الاعتراف بالذنب فضيلة»، وأما علماء النفس فيقولون إن الأمر يتطلب قدراً كبيراً من قوة الشخصية للاعتذار، حيث يجب أن يكون لدى المرء إيمانٌ عميقٌ جدّاً بالعديد من المبادئ الأخلاقية والقيم النبيلة لكي يتقدم باعتذار صادق.

والأصل أنك حين تعتذر، قبل أن يكون الأمر اعترافاً بالذنب، فأنت تعبّر عن حقيقة معدنك أنت الذي لا يقبل الإساءة للآخر، وينبع من احترامك لنفسك، واحترامك للآخر، وعلى الأخص كلما كان الآخر قريباً وأخاً وصديقاً وجاراً.

اليابانيون لديهم تعريف بسيط لكنه شامل؛ يقولون إن من يرفض الاعتذار لديه شعور بالنقص، ولا يحترم ذاته، لذلك نجد أن من أساسيات التربية لديهم تعليم الناشئة على ثقافة الاعتذار عن الخطأ وعدم الخجل منه، كجزء أساسي من ثقافة بناء الشخصية السويّة والسليمة.

وأسوأ أنواع ثقافة رفض الاعتذار والمكابرة في الخطأ يكون عندما يفتح لك ذاك الأخ الكبير الذي أخطأت بحقه ذراعيه بصدر رحب ونفس منفتحة مرحّباً بك في دفء بيته، ثم تكابر وتصر على الغياب ولا تقدم الحد الأدنى من الاحترام رداً على ما جاءك من دعوة شخصية لمناسبة رسمية.

هنا يضاف إلى المكابرة خطيئة أسوأ وهي الغرور الأجوف الذي يجعل صغيرَ النفس يتخيل أن الآخر هو من يحتاجه لذلك ينتظر اعتذاره، بدلاً من التفسير الطبيعي وهو أن الآخر، كبير النفس، أراد تجنيبك الحرج ففتح لك بوابة جانبية تدخل منها معززاً مكرّماً لتعتذر.

لكن هذا الفهم الأعوج للأمور هو الفارق الطبيعي بين «نفس صغيرة» و«النفوس الكبيرة»، وثمة حاجة لقدر كبير من الحكمة والعقل لكي تحيط بذلك الفارق وتفهمه. وعلى ذكر النفوس الكبيرة، لا بد من تذكير النفوس الصغيرة بما قاله صاحب (وإذا كانت النفوس كباراً...) أبي الطيب المتنبي:

إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ

وَعادى مُحِبّيهِ بِقَولِ عُداتِهِ وَأَصبَحَ في لَيلٍ مِنَ الشَكِّ مُظلِمِ

وحقيقة الأمر أن المتنبي لم يكن يحدس ولا يسافر عبر الزمان، وإنما يصفُ حالات معروفة قديماً وحديثاً من أمراض النفوس الصغيرة، فالثقة بالموقف تنبع من الثقة بالنفس، والاعتذار والاعتراف بالخطأ لا يأتيان إلا من كبير النفس واثقها.

لكن مما يزيد النفوس الصغيرة صَغَاراً تصديقُ الوُشاة والعُداة وقبول أكاذيبهم بل التحالف معهم ضد بني لُحمتك وجيرانك وأعضادك، فإذا تحقق ذلك كله يصبح الإصرار على الخطأ والمُكابرة به هو السلوك المفضّل لدى صِغار النفوس التي تحتاج إعادة برمجة كاملة وربما غسيلاً روحياً تاماً لكي تخرج من ذلك الصَغار.

ترى هل تدرك الآن يا «فلان» حجم الفرصة التي أضعتها بالمكابرة والانشغال بمسائل هامشية في بلدٍ أفريقي ما؟