يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

فصلُ التربية عن التعليم

الكاتب:
المصدر: البوصلة
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-11-13
8
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

يعاني المجتمع ومنذ سنوات من تراجع في المنظومة القيمية،ومنظومة الأخلاق، ولعل السبب الرئيسي لذلك هو التراجع الملموس في منظومة التربية والتعليم، وتحديداً التربية قبل التعليم. فقد أصبحت الممارسات السلوكية تظهر بوضوح في العديد من المجالات بشكلٍ لافت، ولكنه بالتأكيد مقلق إلى حدٍ كبير.

قديماً كانت المدرسة تتعاون مع الأسرة في تربية الطفل والشاب، وكان المعلم حريصاً على أن يكون مؤثراً بشكلٍ إيجابيّ في طلبته، ولكنا ومنذ سنوات فقدنا المعلم المربي، المعلم القدوة، وحلَّ مكانه المعلم التاجر، المعلم الموظف، الملقِّن للطلبة داخل الغرفة الصفية، والذي سمح لنفسه إستقطاب الطلبة إلى المراكز الثقافية، ومن هنا فقدَ التعليم مصداقيته في مستوى العطاء، وفي مستوى التأثير الإيجابي على سلوكيات الطلبة. ونتيجةً لذلك تم فصل التربية عن التعليم، تماماً كما يطفو الزيت فوق سطح الماء، إذ لا يمكن أن يتجانس الزيت مع الماء.

ما الذي حدث يا تُرى؟ وكيف تمت عملية فصل التربية عن التعليم؟ لا بد من وجود أسباب وممارسات ساهمت بشكلٍ أو بآخر في فصل التربية عن التعليم، ومن أهم هذه الأسباب عدم وجود المعلم المربي، وعدم وجود المعلم القدوة، بل على العكس، لقد ظهر على السطح شخصيات في سلك التعليم لا علاقة لها بالتربية قبل التعليم، وصار بعضُ المعلمين يهدف إلى صحبة طلبته والتماشي معهم كي يحصل على محبتهم، مع أن هذه المحبة مؤقتة بالتأكيد، لأنه عندما يصل الطلبة إلى مرحلة من العمر والخبرة في هذه الحياة، سوف يدرك تفاهة ما حدث، ولن يحترم هؤلاء المعلمين الذين كان لهم أثراً سلبياً في حياته. ولا شك أن هذا ليس تعميماً مطلقاً، إذ لا بد من وجود فئة من المعلمين والمعلمات تعرف معنى البذل والعطاء، وتعمل على تقويم السلوك لدى الطلبة إضافة إلى التعليم بشكلٍ يليق بهم ويليق بالعملية التعليمية. ولكن ما نسبة هؤلاء إلى مجموع عدد المعلمين والمعلمات؟ ما نسبة هؤلاء إلى ما نشاهده من سلوكيات طاغية في المجتمع؟

ويبقى السؤال ، ما هو دور وزارة التربية والتعليم في فصل التربية عن التعليم؟ لقد كان للوزارة دوراً كبيراً – للأسف – في فصل التربية عن التعليم منذ أن وضعت إهتمامها على العلامة، والعلامة فقط، وغفلت عن دورها التربوي في تثقيف الأجيال وفي تعزيز المهارات لديهم، وفي تطوير وتهذيب سلوكيات الطلبة، على سبيل المثال لا الحصر، لم تلتفت وزارة التربية والتعليم يوماً إلى ممارسة خاطئة بعد انتهاء الإمتحانات وهي قيام الطلبة بتمزيق الكتب ورميها داخل المدارس وفي الشوارع! هذا السلوك المتكرر لم يعمل أحد على تقويمه، ولربما يضحك المعلم مع طلبته عند القيام بذلك.

وجاءت الطَّامةُ الكبرى حين أعلنت الوزارة وبإصرارٍ شديد عن التعلُّم عن بعد، ولا توجد جاهزية حقيقية لدى المجتمع بأكمله لهذا النوع من التعليم حيث غاب الدور التربوي للمعلم غياباً لا مثيل له في تاريخ التربية والتعليم، وفي المقابل يتصدرُ المسؤولون الشاشات ليتحدثوا عن نجاح هذه التجربة، وأنا أقول لهم، عن أي نجاحٍ تتحدثون؟ عن نجاحكم في تجهيل الجيل؟ أم عن نجاحكم في إبعاد الجيل عن التربية والمبادئ والقيم السلوكية التي لو بذلتم أضعاف ما تبذلونه الآن من أجل توفير فيديوهات مسجلة، لما استطعتم غرس أيّ مبدأ أو قيمة لديهم. لقد نجحتم في فصل التربية عن التعليم، ونجحتم في ترسيخِ الفكر العقيم، ونجحتم في إبعاد الطلبة عن بعض من يحمل رسالة التعليم في قلبه وعقله، نجحتم في ترسيخ مفهوم التلقين من خلال امتحاناتٍ تقييمية هزيلة تهدفُ إلى العلامة، والعلامة فقط! نعم، لقد قمتم بفصل التربيةِ عن التعليم، ولذلك أقترحُ أن يتمَ تغيير مسمَّى الوزارة لتصبحَ، وزارة التلقين والتجهيل.