يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

عمان عاصمة وليست مدينة

المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-10-23
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

“المنازل تؤلف بلدة. لكن المدينة يؤلفها المواطنون” فولتير

يقيم في عمان أكثر من أربعة ملايين من المواطنين والمقيمين، ويأتي إليها كل يوم في النهار حوالي نصف مليون مواطن ويعودون في المساء، وإذا أضيف إليها محيطها في البلقاء والزرقاء ومادبا فإنها تستوعب أكثر من ثلثي المواطنين والمقيمين في الأردن (حوالي عشرة ملايين) .. وفي ذلك فإن عمان هي الأردن، والجدل في الشأن العماني كالتنظيم والخدمات والمرافق والمؤسسات والنقل والسكن، هو شأن أردني أيضا، والحديث عن القضايا العامة في التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي يتصل ايضا بعمان.

وقد تضاعف عدد سكان عمان عدة أضعاف وفي سرعة، فهي اليوم عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل خمسين سنة، ولا يخفى على المقيم والزائر ما تعانيه عمان من تحديات في التخطيط والتنظيم وما تتمتع به أيضا من مستوى جيد في الخدمات، وربما يكون أسوأ ما لحق بعمان هو إهمال أو تجاهل كثير من الأساسيات في تنظيم المدينة وتخطيطها، مثل غلبة التنظيم المركزي الشمولي على تنظيم الأحياء والمناطق، فالمخطط ينظر إلى عمان كمدينة مركزية واحدة، ولا يلاحظ خصوصية الأحياء والمدن الفرعية في عمان، ويفترض بداهة أن يكون لكل حي أو منطقة يعيش فيها خمسة آلاف إلى عشرة آلاف نسمة الفرصة الكافية ليعيشوا معا ويتمتعوا بمنظومة من الخدمات والمرافق التي تخصهم، بل وأن يكون تنظيم الحي وتخطيط شوارعه ومرافقة مستمد من خصوصيته واستقلاليته، فتغلب عليه الشوارع المغلقة ويتصل بمركز المدينة والمناطق المجاورة بطرق محددة خارجية، لكن الدخول إليه يكون مقتصرا على القاصدين للإقامة أو الزيارة أو عمل يقع في الحي نفسه، وألا تكون الأحياء كلها ممرات مفتوحة للعابرين من كل مكان وإلى كل مكان، وإضافة لذلك يجب أن يكون لكل وحدة في المدينة مدارسها الخاصة ويجب أن يمنع أبناء الحي قبل الصف الخامس الأساسي إن لم تكن المرحلة الأساسية كلها من الدراسة خارج الحي، أو على الأقل يجب أن تكون لهم الفرصة كاملة للدراسة في الحي نفسه، وأن يكون في مقدور التلاميذ الذهاب مشيا على الأقدام من بيوتهم إلى المدرسة والعودة إلى البيوت، وأن يكون لكل حي أيضا سوقه الخاصة به ومركز بريد ومركز صحي ومكتبة عامة وحديقة عامة وناد رياضي ثقافي اجتماعي، وأن يكون له تنظيمه الاجتماعي ومنظماته الاجتماعية والمعابد والتعبيرات الاجتماعية والثقافية التي تعكس الحي على نحو خاص، وقد يكون له هويته الخاصة في العمارة وأسلوب الحياة.

أسوأ ما أصاب عمان غياب فرصة المشي على الأقدام والدراجات الهوائية، بسبب ضيق الأرصفة وزراعة الأشجار فيها والاعتداء عليها من قبل السيارات والبيوت والمحلات التجارية، إذ لا مدينة بلا مشي ومشائين، فالمدينة هي ببساطة أن يكون في مقدور الأطفال المشي في أمان في مدينتهم واللعب والتجمع في أمان وسهولة، وأن يكون في مقدور الناس أن يمشوا على أقدامهم إلى العمل والسوق والنادي، وأن يلتقوا في المساء في سهولة ويسر في الساحات والنوادي والمقاهي بلا حاجة إلى سيارات، وأن يكون في مقدورهم استخدام الدراجات الهوائية في أمان وسهولة، .. عمان معادية للأطفال والمشائين والدراجين.

لا يمكن الحديث عن المرافق والنقل والتخطيط لمدينة عمان من غير وجود المدينة نفسها، فالمدينة هي المواطنون وليست البيوت والطرق والمؤسسات.