يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

“علامات بالجملة”

الكاتب:
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-11-14
9
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

تترامى إلى مسامعنا هذا العام أن أعداد الطلبة الحاصلين على معدلات مرتفعة كبيراً جداً، سواء كان ذلك في نتائج الثانوية العامة، وسواء كان للطلبة في جميع المراحل، والملفت أيضاً إرتفاع العلامات بشكلٍ ملحوظ أثناء التقييم عن بعد. لذلك كان لا بد لنا من تحليل ما يحدث، ولنبدأ بنتائج الثانوية العامة للعامين الماضيين، والتي فاقت كل التوقعات المنطقية، وخصوصاً العام الماضي، إذ لا يُعقل حصول ثماني وسبعين طالباً وطالبة على معدل مئة، كما لا يُعقل إخفاء أسئلة إمتحان الثانوية العامة لهذا العام حتى اليوم!! ولكني أؤكد أن هذا الإخفاء ناتج عن عدم مصداقية الإمتحان، وعدم توافق الإمتحان مع النتائج الغريبة، التي تحمل عليها ألف وألف علامة سؤال.
من هنا بدأت المدارس الخاصة تحديداً بمنح الطلبة علامات مرتفعة، علماً بأن التدريس يتم عن بعد، وكذلك التقييم، وأصبح لديهم عروض خاصة Special Offers تتعلق بحضور الطالب الحصص عبر أجهزة الهاتف الذكي، والتزامهم بالدوام عن بعد، مع إعطاء عدداً من الإختبارات القصيرة quizzes وبالتالي إصدار شهادة للطالب تحمل معدل تسعة وتسعين! مع أن هؤلاء الطلبة لم يحفظوا جداول الضرب بعد!!
يبدو أن هذه المدارس تسعى للحفاظ على طلبتها للأعوام القادمة – وهذا حق مشروع – ولكن ليس بهذا الأسلوب، أو ربما تريد هذه المدارس إقناع الطلبة وأولياء أمورهم أن هناك تطوراً ملحوظاً في الأداء، حتى لو كان التعليم عن بعد. وهنا تكمن الخطورة، إن حصول الطلبة على معدلات مرتفعة مقابل جهد بسيط يبذلونه سوف يجعلهم لا يثقون مجدداً بالعملية التعليمية داخل المدرسة، إذ كيف يمكن للطالب أن يتطورَ أداؤهُ فجأةً وبدون مقدمات، وهو يعرف تمام المعرفة أن قدراتَه العلمية محدودة، ولا يمكن أن تحقق هذه النتائج المذهلة.
أخشى أن تكون العملية التعليمية قد أصبحت مثل عملية البيع في أي متجر كبير يعرض البضاعة بأسعارٍ زهيدة، ويعرض جزءاً منها للبيع بالجملة بحيث تكون بثمنٍ أقل من بيعها بالقطعة.
هناك عروض للعلامات، أجب على سؤالين والثالث مجاناً!! ربما ليست كما هي واردة في هذه العبارة، ولكن مضمون العبارة يشير إلى ما يحدث فعلياً، حتى أن وزارة التربية والتعليم لم ولن تستطيع أن تقدمَ تفسيراً منطقياً واحداً لنتائج الثانوية العامة في العامين الماضيين.
نعم، التعليم يباع بالجملة، وتُعطى العلامات والمعدلات بالجملة، ولا يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تراقبَ أداء هذه المدارس، لأنها هي أولُ من بدأ في ” أوكازيون” التعليم والتقييم عن بعد، وهي تعلمُ تماماً أن أولياء أمور الطلبة هم من يتقدم للإمتحانات الإلكترونية بدلاً من أبنائهم.
ويبقى السؤال، إلى أين أنتم ذاهبون يا وزارة التربية والتعليم؟ بهذا الجيل والأجيال القادمة؟ إنَّ قراراتكم كانت سبباً رئيسياً في تجهيل الجيل، وكانت سبباً رئيسياً في ابتعاد الطلبة عن التعليم، وكانت سبباً رئيسياً في لجوء الطلبة القاصرين إلى العمل، وكانت سبباً رئيسياً في تدمير العديد من الروابط الأُسرية. أريد منكم وقفة صادقة مع أنفسكم تجاه هذا الجيل، فلو كان أحد أبنائكم من هؤلاء الطلبة المظلومين، فماذا أنتم فاعلون؟
إن أمانة المسؤولية التي تحملونها، لا تقفُ فقط عند أبنائكم، لأنكم مسؤولون عن أجيالٍ، وما صدرَ ويصدرُ من قراراتٍ مجحفةٍ بحق الطلبة أمرٌ عظيم، ومن الصعب التغاضي عنه من خلال جوائز ترضية بعلامات أو معدلات مرتفعة، ذلك لأن هذه العلامات لا تدل على ارتقاء مستوى التعليم، بل بالعكس، إنها تدل على انحدار في مستوى التربية والتعليم والأخلاق والقيم، والمسؤول الوحيد هو أنتم، يا من تقولون أنكم تحملون مسؤولية هذا الجيل.
علاماتٌ بالجملة، لا تُختزل في جملة، ولكنها تعبرُ عن آلامٍ ومعاناة أصابت الطلبة والتعليم بالجملة.