يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

عقارب صخرة ذيبان

الكاتب:
القارئ: شذى فيصل
المصدر: الدستور
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-12-16
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ما زال هناك من تخنقهم رائحة الورود، ويجرحهم رفيف الفراشات قرب عبق الزهور. هناك من تقتلهم بسمةُ الناس وفرحهم وسرورهم، وتؤرقهم ضحكة طفل يطير إلى حضن أبيه. ثمة من يكرهونك؛ لأنك تنسجم مع نفسك، وتبدو سعيداً راضياً، يكرهونك حتى ولو لم يعرفوك أو يجاوروك. ثمة من يود حجب خيوط الشمس عن نهارات الأرض ويدعها ليلا سرمديا في عيون أهلها. ثمة من يمقت الجمال، ويزدري منابعه ويود لو يطمسه بقبح يديه. 

تألمنا على حجر ذيبان في منطقة عراعر في محافظة مادبا حين تعرض قبل أيام لاعتداء من مجهولين سوّدوه بحرق إطارات الكاوتشك فوقه وتحته وكسروه. الناس فجعت بهذا العمل الإجرامي الوضيع وراحوا يبحثون عن سبب قد يبرر هذه الهمجية الشرسة.

ينسى الناس أن بعض الأجرام لا يكون لأجل سبب ظاهري، أو فائدة مرجوة تعود على المجرم. أحياناً يكون الإجرام لذاته. القتل لذاته والكره لذاته. وربما يتلذذ البعض حين يرى الألم في أنفس الناس، ويتلذذ أكثر حين ينقبضون ويحزنون ويكتئبون. ثمة من لا ينتظرون مبررا لينفثوا حقدهم على الحياة.

     ربما أن هذا المجرم قد أغاظه وأوجعه أن يشاهد ذلك الكم الكبير من موجات الانبساط والأريحية لدى الناس الذين تمتعوا بجمال المنطقة، وجلسوا تلك الجسلة الشاهقة الباذخة الجمال. 

بالطبع لا أستغرب مثل هذا العمل الأسود. ففي حياتنا بعض ممن لا يأبهون بالحب ولا بالحق ولا بالجمال. ويؤلمهم أن يحتفي الناس بهذا الثالوث. مع أن القاعدة الإنسانية البسيطة تقول إن كنت لا تستطيع أن تسبب فرحا للآخرين؛ فدعهم دون أن تنغص عليهم عيشهم.

مواقع التواصل كشفت معادن ونفسيات البعض. فنحن نلحظ كيف أن هناك من لا يقع إلا على القبح ويتحراه ويبحث عنه. ولا يمكن له أبداً أن  يسجل إعجابا بفكرة قيمة، أو بوردة زاهية أو بفرح لدى الآخرين. هناك من نراهم يحتشدون بكامل قلوبهم السوداء ليسودوا نهارات الشمس.

ما زال ينقصنا أن نعلي من شأن الجمال، ونحتفي به، ونقدره ونقدر أهله، ونعلي من شأن الحق والخير؛ كي لا نترك لمثل هؤلاء فسحة يدخلون بها إلى صميم حياتنا. ولهذا لا يعجبني أن نشبه مجرمي صخرة ذيبان بالأفاعي. فهذه المخلوقات لا تهاجم ولا تؤذي إلا من يهاجمها ويؤذيها. ربما أن من الأنسب أن نرى فيهم شبها كبيرا بالعقارب. فهي تؤذي لأجل الأذى فقط.