يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

طرطشة

القارئ: رند العلمي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-09-24
10
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

.. أحب الموسيقى, وأكثر أنواع الموسيقى التي تطربني, هي صوت (طرطشة) الزيت في المطبخ, حين يتم قلي البطاطا أو الزهرة, وهو صوت أحيانا تشعر أنه موسيقى مختلفة عن الناي, أو الكمان أو العود, لأنه يصدر سريعا متوهجا.. ثم سرعان ما يخبو بهدوء.

(الطرطشة) هي موسيقى, تمنحك النغم والرائحة, بعكس الأوركسترا التي تمنحك نغما و(سلطنة), فأنت مثلا في عملية قلي (الزهرة) تحصل على (طرطشة) عنيفة في البداية, وتظن أن شيئا في المطبخ قد اشتعل فتنهض لتكتشف: أن الوضع مسيطر عليه.. وما هي إلا لحظات وتبدأ رائحة الزهرة بالتسرب إلى أنفك, بعكس الأوركسترا.. التي يوجد بها اشتعال الروح, حين تتحد الالات الوترية والنفخية في العزف, لكن الإشتعال في موسيقى (الطرطشة) واقعي, وقد يجعلك تتصل بالدفاع المدني إذا خرج الأمر عن السيطرة.

أول موسيقى يتعلمها الطفل الأردني, هي (الطرطشة).. وأول عازف هي الأم، وهي بعكس كل الموسيقى في العالم, كونها قد تؤدي إلى حرق الإصبع, وقد تؤدي أحيانا.. إلى انفعالات غير مبررة من العائلة, وهي الموسيقى التي تجبرك على الذهاب للمطبخ من أجل تفقد الوضع.

كل ثورات العالم, لها توابع وإرث.. مثلا: الثورة البلشفية أنتجت أيضا ثورة في عالم الموسيقى, والثورة الفرنسية أنتجت تغيرا في أشكال الفن, والثورة الفيتنامية, أنتجت ثورة في المسرح فقد ارتبط بالنضال والدم وكفاح الشعب الفيتنامي, حتى كوبا هي الأخرى استنسخت تاريخ جيفارا في الأدب والموسيقى..

إلا الأمة العربية, فثورات الربيع العربي.. لم تنتج سوى (الطرطشة).. قبل الربيع العربي, وبعده.. لم ننتج شيئا, فتعريف الثورة لدينا يقوم على أنها: مجرد (طرطشة) زيت, لم تحسن الأم.. خفض النار أسفلها فأحرقت المطبخ.. وكما ترون فمطابخ السياسة في اليمن وليبيا.. وغيرها من الدول لم تعد تصلح لشيء.

والمشكلة أن البعض لدينا, متحمس جدا.. ويعتقد أن ما يحدث في الشارع هو سيمفونية ثورية لموزارت.. وهو لا يدرك في قرارة نفسه أنها مجرد (طرطشة) زيت.. صدقوني أن الأمر لا يتجاوز (الطرطشة)...

نحن الأمة الوحيدة في العالم, والتي تعتقد أن الزيت وتر.. والإشتعال (نوتة) موسيقية, والباذنجان.. تذكرة لدخول عالم الحرية.