صنع الطواغيت

بلد النشر: قطر
تاريخ النشر:  2020-02-10
18
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ربما تكون المقولة التي تعاكس الطغاة وتؤسِّس للحرية باعتبارها حقاً طبيعياً للفرد، هي ما ورد على لسان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما وزّع على الناس من بيت المال، فقال أحدهم: «جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين»، ليردّ عمر: «ما بالهم نعطيهم حقهم ويظنونها منّة عليهم!». فبمقولته هذه سعى الفاروق جاهداً إلى إجهاض أية بذور مبكرة لخلق مجتمع العبودية والصغار.

وليس بعيداً عن هذه الرواية ما ورد على لسان أول رئيس للبوسنة والهرسك، علي عزت بيجوفيتش، أنه عندما دخل المسجد يوم الجمعة فأخذ الناس يُفسحون له ليتقدّم إلى الصف الأول، فراح ينظر إليهم غاضباً وقال جملته الشهيرة: «هكذا تصنعون طواغيتكم».
يقول عالم الاجتماع ابن خلدون: «إن الطغاة يجلبون الغزاة»، ومقولته هذه تُعدّ واحدة من إضاءاته الرائعة، حين أشار إلى الترابط ما بين أدوار الطغاة في بلادهم والغزاة القادمين من وراء الحدود؛ إذ يمهّد الطغاة لتدخّل الغزاة، حين يتذرّع الغزاة الطامعون باحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم ببطش الطغاة على مواطنيهم، فيجعلون من تحرير هؤلاء من ذاك البطش عنواناً لغزوهم.

مقولة ابن خلدون أعلاه لا تحتاج إلى تفسير أو توضيح ولا إلى كثير من الشرح، وقد تكون حقيقة واقعة على مشهدنا العربي البائس في وطننا العربي الكبير.. إلا من رحم ربي.
بالمناسبة، ثمّة صناعة متقدّمة في عالمنا العربي والإسلامي للطواغيت بأشكالهم المختلفة وفي كل مناحي الحياة.. كيف لا وقد اعتادت على التطبيل والانهزامية في كنف الأنظمة الاستبدادية وعاشت فترات من الهدر من الحريات والكرامات والثروات والأهداف وطأطأة الرؤوس؛ لذا تعدّدت الطواغيت والسبب واحد، فقد نجدهم في المدرسة والجامعة بين المدرس والطالب، في العمل بين المدير والموظف؛ حيث يسعى الأخير إلى تمجيد المدير وتعظيمه ومنافقته حتى يصنع منه طاغوتاً صغيراً بعد إحاطته بهالات العظمة والتمجيد والإطراء والثناء حتى يظنّ نفسه أنه فعلاً شخص مهم، وفي الأسرة بين الأولاد والأب... وهكذا.

إن التاريخ -يا رعاكم الله- يُعلمنا أن اضطهاد الإنسان في أي شكل من الأشكال يعدّ عبودية بحتة، وهذه الأخيرة تتأصل بمختلف أشكالها في مجتمعاتنا العربية المعاصرة.