يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

شكراً للشريرات الثلاث

القارئ: لينا صافي
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2019-10-27
4
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ركزت في رسالتي للدكتوراه على دراسة بعض العوامل المؤثرة على السلوك الريادي، ومن بين العوامل الاجتماعية عامل يدعى «رأس المال الاجتماعي»، وقد ساقتني متعة البحث والرغبة في اكتشاف تلك المؤثرات المرتبطة بالدراسة إلى استخدام وسائل مختلفة لجمع المعلومات، مثل الملاحظة والمقابلات الشخصية ومناقشة المختصين.

وقد لفتت انتباهي جزئية تتكرر في الحوار مع رواد الأعمال المحتملين، وهي وجود أشخاص يشكّلون عائقاً أمام انطلاقاتهم في فضاء الريادة، ولم يكن هذا التكرار خاصاً بريادة الأعمال التجارية، بل تجاوزه إلى مجال ابتكار الموظفين في المؤسسات الكبرى، وأيضاً في ريادة الأعمال الاجتماعية، وغيرهما. ولا أذكر أحداً ناقشته في هذا الموضوع ولم يذكر أحد العوائق أو المتنمرين في عمله أو في حياته بشكل عام، فتبادر إلى ذهني سؤال مُلح: هل يشكّل هذا الشخص الشرير عائقاً حقيقياً في مسيرة الريادة، أم أن الأمر مرتبط بالإدراك المعرفي لرائد العمل نفسه؟ ولا أرغب في طرح طرائق البحث ونتائجه في هذا المقال، وإنما أكتفي بعر ض تجربة واقعية تعرضت فيها إلى ثلاثة أنماط، سأستخدم لها مصطلح الشريرات مجازاً لتوضيح الفكرة.

الشريرة الأولى: مديرتي في العمل لم تكن هناك أي معرفة سابقة أو خبرات متراكمة بيني وبين المديرة، التي ألقت أذنها منذ اليوم الأول للنفوس المريضة التي تتسلى بالحديث عن الآخرين، فاتخذت قراراً بالضغط عليّ، وتعمد تقييمي بشكل مجحف، ما كان أحد أسباب التعجيل باستقالتي من وظيفتي الحكومية، وكان هذا أفضل قرار اتخذته في حياتي العملية.

الشريرة الثانية: عميلة متنمرة كانت عميلة مزعجة من الطراز المبدع في اختلاق المشكلات للحصول على خدمات مجانية، كثيرة الانتقاد والتمرد على قوانين المحل، وكانت سبباً مهماً لإعادة تصميم خدمات شركتي بما يتوافق مع حاجات العملاء، واستحداث أنظمة وقوانين جديدة، وتغيير بعض أفراد طاقم العمل، وتدريبهم على التعامل مع الأشخاص الصعاب، ما سبب طفرة في تطور الخدمات وأساليب العمل في الشركة. والجدير بالذكر أن هذه العميلة لم تعد بعد تغيير نموذج العمل من شريحة العملاء، ولم تطأ أرض المحل، إلا أنني أعترف أن سلوكها الاستفزازي كان دافعاً للتغيير الإيجابي.

الشريرة الثالثة: سكرتيرة في مؤسسة متعلّقة بمجال تخصصي تصف نفسها بالأخطبوط، ومعرفتي السطحية بها بدأت في عمل تطوعي مشترك، وسرعان ما عملت في مؤسسة تطلب خدماتي، تنمرت على الكثير من الموظفين الأكفاء، وسعت لإقناع مديريها بمنع تعاقد المؤسسة مع الكثير من المختصين المحليين لتتولى منصباً هناك من دون إنجازات تُذكر. الطريف في الأمر أنه بعد مدة قصيرة من علمي بهذه الأحداث، قررت تعديل مسار شركتي لإضافة خدمات ابتكار وتصميم نماذج العمل والهيكلة المالية لأسواق أخرى، وحصلت على عقود بمئات أضعاف مبلغ التعاقد المفترض مع تلك المؤسسة، إضافة إلى استفادتي القصوى من تعثر تلك المؤسسة مع عملائها، ما فتح أمامي فرص عمل متنوعة. «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» يختلف إدراكنا للمواقف باختلاف التفسير المعرفي لكل منا لما يحدث حوله، ففي فترة ما كنت أظن أن أولئك الشريرات اللائي ذكرتهن سلفاً هن عوائق في طريق ريادة الأعمال، وكلما أمعنت في استحضار تلك التجارب للتعلم منها وجدتهن سبباً في انتقالي لنموذج أفضل في مسيرتي الريادية.. فشكراً للشريرات الثلاث!