شعراء المقابر

القارئ: شذى فيصل
المصدر: الرياض
تاريخ النشر:  2019-12-30
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

من المقولات الشهيرة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا (تـ1973م) مقولة: «إذا فتحتُ النافذة صباحاً ورأيتُ قتيلاً ورأيتُ وردة، أليس من المخجل أن أكتب شعراً في الوردة»؟!

هذه المقولة المشهورة تُفسَّر تفسيراتٍ مُتعددة ومختلفة باختلاف أفهام المتلقين، فهناك من يفهم منها أن الشاعر مُطالبٌ بالإنحياز للمواضيع الإنسانية دائماً وأن كل ما عداها هامشيٌ لا ينبغي أن ينشغل به كثيراً، وهناك من يرى، بناء على فهمه، أن دور الشاعر الأساسي والمقدَّم هو الحديث عن قبح العالم والتركيز عليه أكثر من تركيزه على مواطن الجمال والبهجة. لكن الواضح من تأمل الشعر في جميع العصور أن للشعراء فيما يعشقون من الأغراض والمواضيع مذاهب متفرقة لا يمكن إقناعهم بالتخلي عنها بسهولة، وأن كثيراً منهم لا يرون ما يدعو للخجل في مسألة تفضيل كتابة القصيدة عن الزهور على كتابتها عن جثث القتلى!

تنوع اهتمامات الشعراء بين من يُفضّل الكتابة عن الوردة ومن يُفضل الكتابة عن القتيل أمر جيد ساهم في تنوع مذاهب الشعراء واختلاف مدارس الشعر بصورة لافتة ومثيرة للإعجاب، وبالنظر إلى المعاجم الأدبية يقابل القارئ جماعات شعرية ركزت اهتمامها على مواضيع محدّدة وغريبة بعض الشيء كشعراء «البحيرة» وهم مجموعة من الشعراء الإنجليز الذين استمدوا مواضيع قصائدهم من البيئة الطبيعية، أو «مدرسة المقبرة»، وهم بحسب تعريف (المعجم المفصل في الأدب) «أصحاب نزعة أدبية ظهروا في إنكلترا ونشطوا في القرن 18، هدفهم الثورة على التمسك بالقديم. أبرز موضوعاتهم التأمل في سر الحياة والموت، وكانوا سوداويين متشائمين في أوصافهم، يبرز ذلك في وصفهم للمقابر والمناطق الموحشة». «شعراء المقابر» كما يسميهم المعجم لا يذهبون إلى المقابر للمشاركة في دفن الأموات من المقربين منهم أو رثائهم بأشعار حزينة كما هو معتاد ومألوف، كما أن ظاهرة الموت، بحسب ما يذكر آلان دو بوتون في (قلق السعي إلى المكانة)، لم تكن ظاهرة باعثة على الإحباط في نفوسهم، بل «بدت في الحقيقة منبع بهجة لا يستطيعون حبسها في داخلهم إلا بالكاد».