سيدة المقهى

القارئ: رند العلمي
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-02-18
0
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

كما عازفة القيثارة على مسرح ممتلئ بالجمهور، تحرك كفيها الناعمتين وهي تتكلم بجدية عن فوائد مشاهدة مسلسل “توم آند جيري”، حين يتمكن من الإنسان الغضب أو الملل أو النسيان!

شرايين يديها الخضراء تبرز الآن من فوق بشرة شفافة، تشي بمرور السنين على تلك الجميلة المتوهجة بالأنوثة والدلال. وخطوط عينيها المزدوجة بحدة، تتحد مع رغبتها الخالصة بعدم محاربة الزمن مهما طال، بالإبر وعمليات الشد.

امرأة بكامل عقلها وثقافتها وخبرتها وجمالها، تتكئ ذراعها على مسند الأريكة، وتسند ذكرياتها فوق سطح حنجرتها وبين عينيها الصغيرتين. لا تريد هذه السيدة أن تشعر بمرور السنين على صوتها وحديثها الرطب، وغير ذلك مجرد رتوش ظاهرية لا تقدم ولا تؤخر.

تضحك اليوم بشكل مختلف، وتقهقه عاليا حتى لو لم يلزم الموقف، المهم أن تبدي مشاعرها الإيجابية كثيرا، وتبوح بأحاسيسها المبهجة جدا، لتستد من أيام الحزن والغضب والقلق العميق، الذي لو عادت بها الأيام، تقول، لكانت ستفعل الشيء نفسه، بدون تردد، ثم تضحك عاليا.

أصبحت لا تبالي بعدد فناجين القهوة التي ترتشفها واحدا تلو الآخر، طالما عودت رأسها على السبات فور أن تغمض جفنيها. وصارت تنظر أمام الناس بفلسفة الطعام والنوم والدواء والمكملات، التي تعبرها اليوم كذبة شركات كبرى حرمتها وملايين البشر من متعة الحياة، من أجل كذبة أكبر عنوانها الحفاظ على الصحة. تستشهد بقوة بتجارب أصحابها وأقاربها الذين فقدتهم وهم في كامل لياقتهم الصحية والعاطفية والأسرية، وتؤكد لمن شده حديثها أن العمر “بعزقة” إن كنتم تريدون الحقيقة!

امرأة في سن اليأس، كما يفترض أن تكون ضمن معايير صديقاتها وأخواتها وزميلاتها القدامى في العمل. إنما هي ترى أن اليأس كان قد تخلل إلى حياتها واستملك زمانها منذ عشرات السنين، حين قبلت من البداية أن تكون حجرا يخرج من قالب إلى آخر، رغما عن إرادتها وحريتها وقرارها. واليوم جاء أخيرا حتى تكسر القالب الأخير وتمضي بالأمل نحو صباحاتها التي تبدأ بضحكات تنتزعها من فيديوهات التواصل الاجتماعي، ومساءاتها التي تنطفئ على ابتسامة رضا وشكر لله أن يومها قد مضى بخير وسعادة.

تمر في الأجواء موسيقى حالمة لأغنية أجنبية قديمة، فتسكت قليلا عن مداخلتها في إدارة الحياة، وتغمض عينيها وتدندن مع اللحن، ثم تفاجئ الجميع بجملة اعتراضية “لكم تمنيت أن أغنيها قبل عشرات السنين من على شرفتي في المنزل، أو في السيارة بصوت عال، أو حتى أمام زوجي وأولادي في الصالة، حين كانت تمر صدفة في المكان”.

هي لا تريد أن تضيف لحياتها رياحا أو عواصف، فقط مجرد شتاء ناعم وفسحة من الهواء. هكذا أنهت حوارها وحملت شالها القرمزي الناعم، ومضت.