يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

زِنِ الكلام

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2019-11-23
4
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

كثيرون منا لا يعون أثر بعض الكلمات التي يطلقونها في تخاطبهم مع الآخرين وخلال ردودهم أو تعليقاتهم، ويفترضون أن تلك مجرد كلمات يعبرون بها عما بداخلهم وأنها لا يفترض أن يزعل أحد منها أو يتأثر بها؛ لأنها كلمات حق.

صحيح أن تأثير الكلمات خفي ولا يمكن لأحد أن يلاحظه كالدماء عندما يطعن إنسان بسكين فيجرحه، أو دبوس على طرف إصبع فيندمل الأصبع، ولكن جرح الكلمات أصعب بكثير. الجرح الناتج عن سكين أو دبوس أو أي أداة حادة يمكن أن يلتئم مع الأيام والوقت، ولا يبقى سوى أثر خفيف لا يمكن أن يؤثر في نفسية الإنسان التي تعتبر من أصعب الأشياء التي تعاني من دون صوت أو أنين.

أمّا الكلمة القاسية والصعبة التي قد تكون خبيثة بعض الأحيان، فجرحها عميق لا يشفى ولا يندمل مثل جرح السكين، وقد يبقى تأثير هذه الكلمة أو الكلمات طويلاً داخل النفس؛ يطفو بين وقت وآخر على السطح، فينعكس على نفسية الإنسان وتعامله مع الآخرين وحتى ثقته فيهم. وما الآية الكريمة «وأما السائل فلا تنهر» فما هي إلا دلالة على هذا التأثير؛ لأن سبحانه قال «لا تنهر»، ولم يقل «لا تضرب»..

للتأكيد على أثر الكلمة الأقوى والأصعب من أي رد فعل آخر، مثل الضرب. الأثر الملموس أخف بكثير من الأثر المحسوس؛ لأن الأثر المحسوس يأخذ كل يوم شكلاً من أشكال ردود الفعل، وقد يحول ذلك المرء من حال إلى حال. Volume 0%   لذلك برزت اليوم حملات ضد التنمر؛ وهو نعت أشخاص بصفات بسبب أشكالهم، كأن يطلق أطفال على زميل لهم «السمين» أو «الغبر» أو «الطويل» أو.. أو..

في تأكيد على ما يمكن أن يتركه التنمر في شخصية الطفل أو الطالب وما يمكن أن يؤثر ذلك في حياته الآنية والمستقبلية. قد يخطئ أحدنا ويتلفظ بكلمة خارج نطاق المفروض، وهذا وارد، ولكننا في هذه الحالة يجب أن نسرع بالاعتذار وتوضيح الموقف، إلا أن المصيبة الكبرى أن تسبق هذه الكلمات نوايا مبيتة لتحطيم إنسان والتقليل من شأنه أمام الآخرين المقربين وغيرهم. أن تطلق صفة بغيضة على إنسان وتتركه وراءك وتغادر، تصبح كمن ترك دبوساً في قلبه يستمر في نخره وهو ينبض كل ثانية..

بكل الألم والتوجع. فلنفكر قليلاً قبل أن نطلق الكلمات، ونراجع الردود قبل أن نتفوه بها، فذلك لا يستدعي منا سوى التمهل ثوان قليلة.. كفيلة بفرز الصالح من الطالح من الكلمات وتقديم أفضلها التي تتضمن المعنى دون أن تكون مغلفة بالسكاكين والدبابيس.