ذاكرة البرد والمطر

القارئ: معن صافي
المصدر: البيان
تاريخ النشر:  2020-01-27
6
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

للبرد والمطر ذاكرة طفولية رائعة، تأخذنا إلى أيام براءتنا الأولى، إلى صفحات بيضاء من حياتنا لم يخطّ الزمن فيها شيئاً بعد؛ هناك حيث يتجسد الطهر في نفوس لم تلوثها أدران الحياة، حيث تمتليء رئاتنا بهواء نقي منعش، حيث لم يتسلل الفساد إلى ذواتنا المفطورة على الخير والجمال والصفاء.

للعواصف آثار سلبية مدمرة، هكذا نسمع ونشاهد في نشرات الأخبار اليومية التي تنقل لنا الكوارث من كل أنحاء الدنيا. لكن عاصفة ماطرة مرت أمامي اليوم لم تكن مدمرة، لم تكن كارثية، لم تبعث في نفسي الرعب كما تفعل تلك العواصف.

العاصفة الماطرة التي مرت أمامي اليوم بعثتني من جديد، طوت آلاف الصفحات من عمري لتعيدني إلى الصفحة الأولى، هناك حيث لم يكن للعواصف آثار مدمرة، حيث لم يكن أحد يشتكي عندما تنزل الرحمة، حيث لم يكن ثمة من ينشر الفيديوهات ويبعث مئات الرسائل السلبية عن آثار المطر. هناك حيث الغيوم بشارات، والمطر خير، والرياح تجري بأمر ربها، والقلوب عامرة بالخير والحب.

عاصفة مرت أمامي، ثم هطل المطر، شعرت بالقليل من البرد، لكن مدينة أحلامي لم تغطس في الوحل، وذاكرة فرحي لم تتعطل، والحياة لم تتوقف من حولي. بحثت في خزانتي عن ملابس شتوية لم أرتدها منذ زمن بعيد، منذ أن قرر البرد أن يرحل عنا، ولم يعد المطر يهطل بغزارة كما كان يفعل.

ارتديت أثقل ما في خزانتي من ملابس، بحثت عن وشاح ألفه حول رقبتي وقفازين أدخل فيهما يديّ كما كنا نفعل صغاراً فلم أجد. هل هي دورة المناخ التي جعلتنا نتخلى عن الأوشحة والقفازات أم هي دورة الحياة التي أفرغت خزائننا من كل ما كان يشعرنا بالدفء؟ أيًّا كان الجواب فهو يعني أننا لم نعد في ذلك الزمن الذي نشتاقه كلما هبت الرياح أو نزل المطر.

خرجت إلى الشارع، الناس حولي يستغيثون مما سببته العاصفة وخلّفه المطر، يصورون بكاميرات هواتفهم الذكية، وأنا مستمتع بغباء هاتفي وبالعاصفة والمطر، لا أستمع إلى استغاثاتهم ولا أصور.

تُرى هل أنا من كوكب آخر أم الناس الذين يستغيثون ويصورون من كواكب أخرى؟ تجاهلت السؤال وقررت أن أذهب إلى حينا القديم الذي هجرناه منذ سنوات لم أعد أذكر عددها، عندما قرر سكان مدينتي أن البيوت ذات الأحواش الصغيرة لم تعد تتسع لهم فهجروها إلى بيوت ذات أحواش واسعة وأسوار عالية.

من يومها لم يعد الجار يعرف جاره، ولم يعد يره إلا خارجاً من بوابة بيته الكبير أو داخلاً إليها في سيارته الفارهة ذات الزجاج المعتم.

في حينا القديم تجمعت كل ذكريات الزمن الجميل، وانفتحت الذاكرة على الوجوه الطيبة التي كانت تسكن تلك البيوت ثم غادرت دنيانا بعد أن تركنا بيوتنا القديمة.

من يومها لم يعد لتلك البيوت الوهج الذي كان يشع منها بعد أن هجرها ساكنوها الأصليون وسكنتها وجوه غريبة لا تحمل لها في ذاكرتها شيئاً من الألق الذي كانت تتمتع به. حتى الأزقة التي كنا نراها واسعة ما عادت بذاك الاتساع الذي كنا نشعر به ونحن نلعب فيها صغاراً.

حتى ألعابنا اندثرت وحلت محلها ألعاب وافدة، ولم يعد أبناؤنا يسمعون عن ألعابنا تلك إلا في دروس «السنع» الذي لم نتخيل يوماً أنه سيدخل مناهجنا الدراسية بعد أن كنا نتعلم «السنع» من الأهل والجيران في تلك الأحياء التي وُلِدنا ونشأنا فيها.

بيوتنا التي كنا نراها كبيرة في ذلك الزمن بدت لي مثل علب الكبريت الصغيرة التي كانت تستخدمها أمهاتنا وجداتنا في إشعال المواقد والمصابيح التي كان الناس يستخدمونها قبل دخول الكهرباء مدينتنا.

في أزقة الحي ماشياً على غير هدى كانت عيون ساكني الحي الجدد تنظر إليّ بريبة لم يحاول أصحاب تلك العيون إخفاءها. أحسست أنني غريب وأن وجوه الذين تتابعني عيونهم بريبة لم يحاولوا إخفاءها قد استوطنت حيّنا منذ آلاف السنين.

حاولت أن أقول لهم إنني قد ولدت في هذا البيت، ولعبت في هذا الزقاق، وأن المسجد القديم الذي بجوار بيتنا كان والدي ورجال حينا، عليهم رحمة الله جميعاً، يلتقون فيه خمس مرات في اليوم والليلة.

لكن وجوه الذين كانت عيونهم تتابعني بريبة لم يحاولوا إخفاءها ظلت خالية من أي تعبير ينمّ عن أنهم قد فهموا كلمة واحدة مما قلت. نظرت إلى السماء أستنجد بها لكن السماء هي الأخرى تخلت عني، فقد انقشعت الغيوم وهدأت العاصفة التي جعلتني أخرج ملابسي الثقيلة من خزانتي.

شعرت بالعرق يتصبب من كل أنحاء جسمي رغم تجمد أطرافي، تمنيت لو أن الغيوم لم تنقشع والعاصفة لم ترحل، فليس كل العواصف مدمرة وليس كل الأمطار ضارة. ثمة عواصف وأمطار تستدعي من الذاكرة صوراً تستحق أن نعلقها على جدران قلوبنا.