خطة استسلام.. لا خطة سلام!

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2020-02-05
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

​ما كان لخطة سلام تحت مسمى «صفقة القرن» أن تعلن بشكلها السيئ وتفاصيلها الأسوأ لو لم تكن حالة العرب بهذا المنحدر. فالدول العربية معظمها منشغلة في حروبها الداخلية، أو منشغلة بدعمها لتنظيمات ضد تنظيمات تدعم من دول أخرى. فالدول العربية إن كانت تعيش بسلام فهي بحالة حرب مع دول عربية اخرى في أراضي دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الدول الداعمة لهذه الحروب. وما كان لخطة ترامب ونتانياهو أن تعلن لو لم تكن دول عربية منشغلة بحروب مفروضة عليها في الكثير من الأحيان وحروب وجدت نفسها تخوضها بالوكالة في أحيان أخرى.

​فالعرب منشغلون بحروب داخلية أو أهلية منذ أكثر من عشر سنين. العراق لم يعرف الاستقرار منذ الغزو الأميركي عام 2003، ولم يخرج إلا مؤخرا من حربه على «داعش». ومنذ خمسة أشهر يحاول أن يهدئ من حراك شعبي ثائر على الأوضاع الطائفية والفاسدة في البلاد. لذا أصبحت القضية الفلسطينية من آخر هموم الشعب والحكومة في ذلك البلد المفكك. أما سوريا، فمأساتها تعدت كل الحروب الحديثة التي نشبت في المنطقة العربية. وضحايا هذه الحرب قاربوا نصف المليون. كما سببت هذه الحرب تشريد حوالي 13 مليون سوري بالداخل والخارج. وأصبحت مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان أكثر بأضعاف من عدد اللاجئين الفلسطينيين. فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان حوالي المليون، بينما يصل عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه الذين يسكنون المخيمات حوالي 175 ألفا. وبلغ عدد اللاجئين السوريين في الأردن حوالي 650 ألفا بينما بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات 280 ألف لاجئ. فمأساة سوريا – إن قيست بعدد الضحايا - أكبر بكثير من المأساة الفلسطينية.

​هذا ومع الحداثة التي يعيشها العالم وتتزعمها الولايات المتحدة من تقدم في التكنولوجيا والفكر، فإن نتانياهو عندما ظهر واقفا مع ترامب في البيت الأبيض، كانت مرجعيتهما التوراة في إعطاء الحق لإسرائيل في الاستيلاء على ما تريد من الأراضي الفلسطينية. فمن كان معهما في القاعة هم اليهود الأميركان المتطرفون، أما الأميركيون فكانوا من المسيحيين الإنجيليين المتحمسين لإسرائيل والداعمين للرئيس ترامب. هذا وقد وصفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية الصادرة في 31/‏01/‏2020 هذا الاتفاق بـ «نكتة القرن» وليس بـ «صفقة القرن». ولربما كانت أكثر جرأة في نقدها لخطة السلام المقترحة من قبل ترامب ونتانياهو من كثير من الصحف العربية.

​وذكرت صحيفة هآرتس في 01/‏02/‏2020 «ان آثار اليمين الإسرائيلي موجودة في كل فقرة من الـ 181 صفحة المشكلة لصفقة القرن هذه التي تعطي الحق للحكومة الإسرائيلية في هدم منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية». وقد بلغ التحيز لإسرائيل ولحكومة نتانياهو من قبل السفير الأميركي في تل أبيب ديفيد فريمان أن يكون أكثر تطرفا من نتانياهو نفسه. فقد صرح أن إسرائيل ليست بحاجة إلى الانتظار من أجل ضم المستوطنات. كما أنه طمأن الإسرائيليين بأن قيام الدولة الفلسطينية سوف يستغرق وقتا طويلا.

​وترى صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 1/‏2/‏2020 أن نصوص خطة السلام هذه كانت «متميزة» في تقديم رواية محرفة عن التاريخ. وقد تمت صياغة هذا التاريخ المحرف من قبل كوشنر بمساهمة رئيسية من اليمين الإسرائيلي. وتنتقد الخطة لكونها تعيد تعريف معنى السيادة باعترافها بضم الأراضي المحتلة. فانتقادات هآرتس الإسرائيلية لصفقة القرن تظهر تنوع وتمايز الرؤى في المجتمع الإسرائيلي. وأن هناك شريحة واسعة - لا أستطيع أن أقدرها - ترغب في إجراء مفاوضات عادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل تأسيس دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. لكن صفقة القرن هذه لم تكن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما كانت بين الأحزاب الإسرائيلية المتطرفة والرئيس ترامب بمساهمة كبيرة من قبل صهره كوشنر. فالطرف الفلسطيني لم يدع إلى التفاوض في واشنطن كما حدث بين عرفات ورابين عام 1993 وبحضور الرئيس كلينتون وسيطا، وإنما ابلغ بالخطة حين اعلانها من قبل ترامب ونتانياهو.

​لذا أرى ضرورة أن يكون هناك تواصل مع شرائح المجتمع الإسرائيلي الراغبة فعلا في السلام، وكانت مبادرة بانتقاد خطة الاستسلام هذه. ونتانياهو ليس الإسرائيلي المناسب الذي يستحق أن تدخل معه السلطة الفلسطينية مفاوضات لتأسيس الدولة. فالمجتمع الإسرائيلي قابل للتغيير والمحيط العربي بإظهار نوايا السلام وبنبذ العنف، وبتواصله مع النخبة الإسرائيلية الواعية لحقوق الفلسطينيين يمكن أن يصل الى اتفاقية سلام حقيقية تهدف الى انشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.