جوع ذهني

القارئ: لينا صافي
المصدر: الرياض
تاريخ النشر:  2019-10-16
5
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

الإدراك حالة ذهنية تتغذى بالمعرفة، وتنمو بالإحساس، وتتوهج بالحدس.. لكل منا حالة إدراكية خاصة به، ونسبة من الفهم للأشياء من حولنا، وما يحدث بيننا.

يروى "أن ماري أنطوانيت ملكة فرنسا قبل الثورة والتي كانت تعيش عيشة مترفة منعزلة تماماً عن العالم الخارجي، فقد قيل إن بعض الحراس وجدوا فلاحاً مغشياً عليه من فرط الجوع، فأتوا به إليها، فأشفقت عليه.. وقالت له يا سيدي: يجب ألا تتبع هذا الريجيم القاسي». فأخبروها أن الفلاح لم يجد خبزاً يأكله مدة أسبوع، فقالت مستنكرة «لماذا لم تأكل جاتوه؟"

حين نتأمل بعمق نستوعب أن موقفها لا يستغرب فالفقر والجوع ليسا جزءاً من وعيها الذاتي، ومخزونها الإدراكي، ولهذا لم تستطع إدراك واستيعاب وفهم الواقع كما ينبغي، فنزعت حالة الجوع من سياقها الحقيقي (الفقر) وربطتها بالأسباب التي تعيشها تدركها كواقع يخصها فقط (الريجيم - الجاتوه بدلاً من الخبز)، أي إنها فرضت مخزونها الإدراكي على ما رأته بعيونها بمعزل عن حقيقة ما يجري.

وياتجاه آخر "هل حاولت يوماً أن تحدد سؤالاً يتعلق بالواقع، ثم تطرحه على عدة أشخاص ممن يجالسك، وتعرف أنهم متنوعو الثقافة ومختلفو التوجهات؟ حول أي قضية جارية، أو موضوع حادث ستفاجأ بردود متباينة، وإجابات متفاوتة، ورؤى متناقضة وقد تستغرب كثيراً منها، أو تسخر من بعضها مع أنك تجد تشابهاً عاماً بين أولئك الأشخاص في سمات وخصائص كثيرة". لذا ستعبّر هذه الحالة عن تفاوت فكري، ثقافي، ديني، منهجي، عاطفي.

وعندما تسبر أغوار النفس البشرية وتبحث عما يجعل الاستجابة مختلفة اتجاه الشيء نفسه إلى هذه الدرجة.. ستجد أن النظام الإدراكي لدى شخص ما قاده إلى فهم الواقع وتفسيره ومجرياته كما يدركه هو بكل خبراته وحجم وعيه، ومن خلال ما يسقطه الشخص على الواقع من مشاعر وظنون وتفسيرات ورموز ومعانٍ، ومن خلال السياق القيمي، والدافع والأيديولوجي، والمنظومة الأخلاقية.

أحيانا "يعتقد البعض أن الكلمات التي يتواصلون بها مع الآخرين يفهمها الآخرين نفس فهمهم لها. لذلك نجد أن الكثير يتجادلون حول كلمات متفقين على معناها دون أن يدركوا ذلك". كما أن الفرد يرى فهمه للواقع وما يحدث فيه عبر مدركاته الخاصة هو أمر يتماثل فيه الجميع فكما أفهم أنا يفهم هو.. مع أن بعض التفاصيل قد لا يراها مطلقاً أو يتجاهلها أو يهملها، والبعض الآخر يراها بكثافة ومهمة ومحورية في تعميق إدراكه وفهمه.

ويبقى القول: الناس يفسرون ما حولهم من واقع بحسب مخزونهم الإدراكي في أشكال ذات مغزى ومعنى معين، ثم يقيّدون المعنى المفهوم أو المغزى في إطار محدداتهم، وهذا ما قد يصعّب تأسيس أي فهم واقعي أو جدل مستقيم.