يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

ثقافة الدوار..

المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-07-22
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

... اللقاءات في الأردن تتم على (الدواوير)، مثلاً حين تريد اللقاء
مع صديق ما، وحتى يكون العنوان سهلا يكفيك أن تقول له:
(لاقيني ع السابع)..
والوصف يتم عبر (الدواوير) أيضا, فحين تريد أن تخبر أحدهم عن
مكان سكنك، لابد أن تبدأ من أقرب دوار.. ثم تشرح التفاصيل,
حتى الحياة السياسية لدينا, تبدأ من الدوار الرابع.. ولا تنتهي.
الإعتصامات وسقوط الحكومات أيضا (الدواوير) هي عنوانها، فرحيل إحدى الحكومات
مرتبط بحركة الرابع، والكاميرات التي تركب.. من أجل التقاط مخالفات السير، تملؤ (دواوير)
عمان..
قصص الحب هي الأخرى، تبدأ دائماً بصدفة اللقاء على الدوار الثالث، كثيراً ما يتحدث
العشاق عن اللقاء الأول، وكثيراً ما يقولون.. إن البداية كانت عبر أزمة خانقة على الدوار
الثالث، وهناك احتكت سيارتي بسيارتها، ثم نزلت من السيارة وبدأ الحديث..

الروائي مؤنس الرزاز في معرض كرههه لهذا الأمر عبر ذات يوم قائلاً: أنا لا أحب الدوائر
أنحاز للمربعات أكثر.
حتى النكات (للدواوير) نصيب فيها.. يقال إن رجلا تحدث عبر الهاتف يريد البلاغ عن حمار
دهس, وكانت لديه مشكلة في نطق حرف السين، وكلما أراد أن يخبرهم عن جثة الحمار
تلكأ.. فيسأله الطرف المقابل: (ع السادس) فيجيب بالنفي.. ظل على هذا الأمر، إلى
المكالمة العاشرة.. وحين سألوه: (ع السادس)، أجاب بنعم، فعاتبوه كثيرا قالوا له: بأننا
منذ نصف ساعة ونحن نقول لك.. (على السادس).. علما بأن الحمار دهس على السابع،
فكانت إجابة الرجل في النهاية: (ما أنا جريتو للسادس).
أحس أن عمان أقامت هذا الكم من (الدواوير)، ليس لتنظيم حركة السير، بل كعناوين
للمعارضة والاعتصامات، وكشواهد على الحب، وكمقرات للمؤسسات الرسمية.. ورموز
للحياة السياسية، وأحياناً كعناوين للحوادث الضخمة.
الذين يضيق بهم هذا المدى الرحب، غالباً ما يختصرون الأوطان في (الدواوير).. والذين
يضيق بهم القلب، غالباً ما يلجأون (للدواوير) من أجل التهديد.. وحتى الذين، نسوا أن
الخطوط المستقيمة هي أساس علم الهندسة.. يلجأون (للدواوير) لأنهم يكرهون
المستقيم..
العالم صحيح يؤمن بالهندسة، لكن شكل الأوطان على الخرائط هي تمرد طبيعي على
الهندسة.. فلايوجد وطن على شكل دائرة، ولا يوجد وطن مربع.. ولا يوجد وطن يأخذ
شكل المستطيل.. كيف إذا سمحتم لهم بأن يختصروا وطنا كاملاً، في (دوار).