يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

تنمية القدرات الإبداعية: واقعنا ومسؤوليتنا

الكاتب:
القارئ: رند العلمي
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-11-23
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

منذ مطلع الألفية الثانية تنبه عدد من المدارس والمؤسسات التعليمية في الأردن إلى ضرورة تطوير العملية التعليمية بحيث لا تنحصر في التركيز على الجوانب الأكاديمية فقط، وإنما تشمل بناء وتنمية القدرات والمهارات الشخصية والإبداعية وذلك بإدراج طرق التعليم المتنوعة المراعية للذكاءات المتعددة لدى الأطفال والمعززة لها.

ورغم تأخر الأردن في ذلك عن معظم الدول المتقدمة التي تنبهت له منذ أواخر الثمانينيات، فقد انحصر في بداياته في عدد محدود جدا من المدارس ذات أنظمة التعليم الدولية، وظل كذلك حتى وقت قريب.
لكن في السنوات الأخيرة، اتسع الاهتمام بهذه الجوانب، وصار العديد من مدارس القطاع الخاص توفر أشكالا مختلفة من الأنشطة والمساقات الإضافية، كالروبوتكس، التفكير التصميمي، التفكير الناقد، الشطرنج، الأورغامي، الموسيقى، الدراما، وغيرها، بإدخال بعضها ضمن الحصص الصفية أو كأنشطة بعد انتهاء الدوام المدرس.

بالتأكيد، فإن أي توجه لتنمية قدرات الطلبة الإبداعية واستنطاق ذكاءاتهم في أي جانب من الجوانب المتعددة (المنطقية، الرياضية، الحركية، اللغوية، الفنية، وأيضاً العاطفية والاجتماعية)، هو شيء إيجابي، ومحاولات مقدرة، لكن التجربة في الحقيقة ما تزال غير ناضجة ويشوبها بعض القصور.

فمن ناحية، معظم المدارس الخاصة تنتهج في ذلك اللحاق بــ”الموضة”، إذ تعمد إلى استحداث النشاطات التي ستحقق طلبا عاليا من الطلبة وذويهم لحداثتها ووجود تركيز عام عليها، مع إمكانية حذف واسقاط أنشطة أخرى خفت الاهتمام بها بغض النظر عن أهميتها، ما يعني بأن الأمر غير قائم على منهجية علمية محددة الأهداف.

ومن ناحية أخرى، فلا يخفى على أحد أن إدراج مثل هذه الأنشطة والمساقات سينعكس بالتأكيد على أقساط هذه المدارس، وبالتالي فإن الفرصة في الحصول على هذه النوعية من التعليم ستبقى حكرا على طبقة معينة من الطلبة.
وفي الوقت الذي نعي فيه بأن إمكانية شمول التعليم في القطاع العام لمثل هذه النواحي تكاد تكون معدومة نظرا لما يعانيه القطاع من مشاكل عديدة أكثر إلحاحا في الحل والترميم، فإن الفجوة التعليمية المرتكزة على القدرة المادية ستكون أكثر اتساعا.
هذه الفجوة من الضروري جدا العمل على تضيقها، لأن بقاء المعطيات كما هي سيبقي الشريحة الأوسع من طلاب المملكة خارج نطاق التأهيل الضروري والتنمية اللازمة لمهاراتهم المختلفة، وسيحد ذلك من قدراتهم الأكاديمية والعملية والحياتية مستقبلاً، وهنا تقع مسؤولية رئيسية على مؤسسات القطاع الخاص في المساهمة بشكل فاعل لتعويض النقص.

تقدم بعض المؤسسات الخاصة مساهمات مقدرة في هذا الشأن، ولعل واحداً من أهم النماذج لذلك، برنامج المبتكرون الصغار الذي تقوم عليه مؤسسة عبد الحميد شومان منذ سنوات ويشمل حاليا عددا من المحافظات، وتعمل سنويا على توسيع شموله لمزيد من المحافظات وصولا إلى شمول أوسع نطاق ممكن.

لكن مؤسسة واحدة وإن بذلت جهدا جبارا وحققت نتائج مبهرة، لن تستطيع بمفردها تغطية الاحتياج العام على مستوى المملكة، لذلك فإنه من الضروري تعميم هذا النموذج وتبنيه ليحقق درجة مقبولة من الشمول.
ربما تفتقر الساحة إلى المؤسسات الثقافية والتعليمية القوية والقادرة على تكرار هذا النموذج، لكن بإمكان مؤسسات القطاع الخاص، أيا كان مجال نشاطها، تقديم مبادرات عديدة في هذا المجال، من خلال تقديم التمويل اللازم لتنفيذ مثل هذه البرامج بالشراكة مع المؤسسات المختصة.

نحتاج من قطاعنا الخاص أن يكون أكثر التزاما بمسؤوليته الاجتماعية، وأن يكون الاستثمار بالانسان من ضمن أولوياته، وأن ينظر إلى الأثر المتحقق من نشاطاته المندرجة تحت بند “المسؤولية الاجتماعية” على الفرد والمجتمع، لا أن يكون الهدف من هذه الأنشطة تخفيض الأعباء الضريبية وحسب.