تلولحي يا دالية

القارئ: رند العلمي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-12-22
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في الأردن ثمة صراع خفي بين خطابين, الخطاب الأول حداثي وهو في محتواه اجتماعي بدرجة كبيرة وسياسي أيضا.. ويسمى مجازا بالخطاب الليبرالي الذي يؤمن بدولة مدنية حديثة ودولة مواطنة, وهنالك خطاب اخر.. له أتباع وله منهج غير مكتوب, وله حضور هائل, ونستطيع وصفه بخطاب: (تلولحي يا دالية يا ام غصون العالية)..

الخطاب الليبرالي يحتاج لشهادة غريبة, وإلمام باللغة الإنجليزية... يحتاج لقراءة مختارات مما كتب (جان جاك روسو).. ويحتاج أيضا, لخبرة في مجال الإتيكيت وحفلات الإستقبال التي تقيمها السفارات, بالمقابل الخطاب الاخر غريب جدا من حيث تجذره وأصالته, فنحن الشعب الوحيد في العالم, الذي يولد الطفل وهو يحفظ أغنية (تلولحي يا دالية).. أي طفل أردني إذا قمت بغناء هذا المقطع أمامه: (تلولحي يا دالية).. فإنه على الفورولا شعوريا يكمله: (يا أم غصون العالية).. والأصل أن علم النفس يقول: الطفل حتى يحفظ مقطعا صوتيا يحتاج لتكرار المقطع أمامه مرات كثيرة, في الأردن الصورة مختلفة فالطفل لدينا يولد وهو حافظ لهذه الأغنية.. من دون تدخل العائلة أبدا.

الخطاب الليبرالي يحتاج لبذل الجهد, وحتى تكون من المدرسة الليبرالية, عليك أن تتعلم أشياء كثيرة, وأن تطل على فضائيات كثيرة تحت مسمى (الخبير الإستراتيجي).. وأن ترتدي ربطات عنق فاخرة, وأن تبني صداقات مع مجتمع (الأن جي أوز)... وأن تؤمن بالفكر المنفتح, الخطاب الاخر لايحتاج..لكل هذه الأمور, فقط يحتاج (لزفة) ومواطن اسمه فتحي, يطلق صرخته (تلولحي يا دالية) لحظة خروج العروس, ومن ثم يبدأ الجميع بترديد الأغنية, وبتناغم غريب بينهم مع وابل من التصفيق... ثم يبدأ التوزيع (الهارموني) للأغنية حين يصل فتحي إلى مقطع: (يا ام ثويب طرزتيه حطيت البلاوي فيه).

الأردن يمر بمرحلة صراع خطير بين الخطابين, فالخطاب الأول يريد اجتثاث الخطاب الثاني, بالمقابل الخطاب الثاني يصر على أنه مرتبط بالهوية, والجذور والثوابت، ومن المستحيل الإنقلاب عليها.

أنا لا أقدم مقالا ساخرا, لكني في حياتي أتذكر كيف حفظت النشيد الملكي, وأتذكر الجهد الذي بذلته من أجل حفظ الأحاديث النبوية, لابل أتذكر أيضا الليالي التي سهرتها من أجل حفظ تاريخ الدولة الأموية.

الشيء الوحيد الذي ولد معي دون حفظ هو (تلولحي يا دالية).. فأنا أحفظ كامل الكلمات, ولا أدري هل كانت مخزنة في الذهن لحظة مولدي أم ماذا؟.. على كل حال أنا من حزب (تلولحي يا دالية).