ترامب ورفيقه نيكسون.. ومواصفات الرئيس البائس

القارئ: شذى فيصل
المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-11-26
8
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ليس هناك رئيساً في العالم اليوم أشد بؤساً من الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، الذي يواجه أوقاتا حرجة، واختباراً صعباً قد يؤدي الفشل فيه إلى عزله والانزواء جبراً لا طوعاً عن كرسي البيت الأبيض، بل وطوي صفحته البائسة بفضيحة مجلجلة، لا تقل عن فضيحة سلفه الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون.

أياً ما كانت نتيجة التحقيقات الجارية لعزل ترامب المأزوم سياسياً، فالنتيجة هي مزيد من تضرر سمعة ترامب، بشكل لا يمكن علاجه، وهو أصلاً عرضة طوال الوقت لإساءة السمعة بمواقفه الحادة والمتناقضة وانتهازيته اللامعقولة، ولهذا فلن يبكيه أحد بعدما أصبح الرئيس الأكثر كرهاً في العالم، وهو بهذا يستحق الدخول إلى موسوعة جينيس العالمية.

باستثناء الإسرائيليين وحلفاؤهم في الشرق والغرب، لم يترك قطب العقارات الثري المنتمي لولاية نيويورك، شعباً إلا وعاداه، ولا أمة إلا واستفزها، ولا إثنية عرقية إلا وتوعد بتشريدها، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، فترامب عدو للعرب، والفلسطينيين على وجه الخصوص، بفعل انحيازه الفاضح للإسرائيليين، وهو صاحب فضيحة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكأنه يُحضِّر القدس لمعركة آخر الزمان الكبرى المعروفة باسم “هرمجدون”، بمباركة مؤيديه من الصهاينة والإنجيليين الأصوليين، مقوضاً بذلك عملية السلام الهشة أصلاً، وصاباً الزيت على النار في صراع تاريخي محتدم بين صاحب الأرض، والمحتل الدخيل، ثم عاد قبل أيام وأجاز شرعنة الاستيطان الإسرائيلي في مخالفة صارخة للقانون الدولي.

مخطئ من يظن أن عداوة ترامب تقتصر على العرب، بل تخطتها إلى عموم العالم، بعدما أشعل فتيل حرب تجارية مريرة مع أبرز شركائه التجاريين(الصين والاتحاد الأوروبي)، وفرض عقوبات صارمة على روسيا وإيران وفنزويلا، وانسحب من اتفاقيات دولية مهمة كاتفاقية باريس للمناخ والموقعة في عام 2015، وتغريداته العنصرية ضد المهاجرين من كافة دول العالم وبخاصة العرب والمسلمين، بل إن الأمر تخطى ذلك حينما قصف في إحدى تغريداته عضوات الكونجرس وكتب: ” العضوات اللائي ينتقدن الولايات المتحدة يجدر بهن العودة إلى الأماكن المنهارة والموبوءة بالجريمة اللاتي قدمن منها والمساعدة في إصلاح أمورها، ثم الرجوع إلينا وإخبارنا كيف سارت الأمور”، في إشارة إلى أربعة من عضوات الكونجرس من ذوي البشرة السمراء وهن: إلهان عمر نائبة مينيسوتا؛ وألكساندريا أوكاسيوكورتيز نائبة كوينز في نيويورك؛ ورشيدة طليب نائبة ميشيجان؛ وأيانا بريسلي نائبة ماساتشوستس.

تبدو الصحافة والتلفزة الأمريكية مشغولة هذه الأيام بالمقارنة بين ما يفعله ترامب، وما فعله الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة ريتشارد نيكسون في السبعينيات الميلادية، وأجج هذه المقارنة تصريح لرئيس لجنة التحقيق في مجلس النواب الأمريكي آدم شيف، ذكر فيه بأن ما لدى الكونجرس “أخطر بكثير من مجرد سرقة وضيعة لمقر عام لحملة انتخابية ديموقراطية”، في إشارة إلى فضيحة ووترجيت التي أجبرت نيكسون على الاستقالة عام 1974 لتفادي عزل مؤكد.

بمقارنة واقعتي العزل بين ترامب ورفيقه نيكسون، سنجد أن الاتهامات باستغلال السلطة الموجهة إلى الرئيس الحالي  أكثر تماسكاً وقوة من تلك التي وجهت إلى نيكسون داهية السبعينيات، بل إن واقعة ترامب أكثر خطورة من حادثة ووترجيت التي تظل عملاً صبيانياً مقارنة بالمنسوب إلى ترامب الذي طلب مساعدة انتخابية من نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر فتح تحقيق بحق خصمه السياسي جو بايدن المرشح الديموقراطي الأوفر حظاً لمواجهته في سباق الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

بفعل الاستقطاب السياسي الحاد في الكونجرس الأمريكي، ليس من المرجح أن يفوت خصوم ترامب من الديموقراطيين الفرصة المواتية التي جاءتهم على طبق من ذهب، خاصة بعد أن جمعوا الأدلة الكافية على استغلال الرئيس لسلطته، وأصبح الملف جاهزاً تماماً دونما ثغرة، وبالتالي سيقومون بالتصويت على عزل الرئيس بحلول نهاية العام، الأمر الذي قد يفضي إلى محاكمة ترامب أمام مجلس الشيوخ في يناير المقبل.

ورغم أنه من المستبعد أن يتخلى الجمهوريون عن الملياردير ابن الحزب البار، إلا أن  تضرر سمعة ترامب قد تدفع ببعض عقلاء حزبه إلى التسليم بأن هناك ما هو أهم من الولاء للرئيس على طول الخط، والاعتراف ولو وقتيا بفداحة أخطاؤه الكارثية خلال ولايته الأولى المثيرة، وفق فلسفة التضحية بالرأس من أجل بقاء الجسد يعمل.

لكن على ماذا يراهن ترامب؟، المؤكد أنه يتعلق بآمال الدعم المطلق من الجمهوريين في مواجهة فرقاء سياسيين جادون في عزله، لكنه يتحسب أيضاً من تزعزع الولاء المطلق تحت تأثير الضغط الشعبي الهائل، وفي حال حظيت آلية عزله بدعم شعبي، فهذا سيؤمن للجمهوريين غطاء يعطيهم حبوب الشجاعة للاعتراف باستغلال ترامب لسلطته.

لكن الفارق بين ترامب ونيكسون، الجمهوري  أيضاً، هو أن نيكسون استبق نتيجة العزل واستقال بعد أن وجهت له ثلاث تهم وهي: إعاقة العدالة، وإساءة استخدام سلطاته الرئاسية، وعدم الامتثال للاستدعاءات القضائية، بينما يصر ترامب الموجه له أربع تهم وهي: استغلال السلطة للضغط على أوكرانيا من أجل الحصول على دعم سياسي محلي، والرشوة عبر وضع شرط الحصول على الدعم مقابل المساعدات وترتيب القمة، وازدراء الكونجرس عبر رفض الامتثال لمذكرات الاستدعاء، وعرقلة العدالة، يصر ترامب على أنه لم يرتكب جريمة تستأهل عزله، ويروج للأمر على أساس نظرية المؤامرة ، إذ أن الأمر برمته من تدبير خصومه.

تكشف الأحداث الراهنة عدة حقائق، أهمها أن سلطة سيد البيت الأبيض باتت الآن على المحك، وأن رجل البدايات الصاخبة، قد يكون ذاته صاحب النهايات المؤلمة، وبالتالي فإنه ليس من الذكاء السياسي رهان بعض العرب على رئيس متناقض وكثير المطالب وغريب الأطوار، وسيصبح الرهان على بقاؤه مطولاً في السلطة نوعاً من العبث السياسي، لأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، كما تثبت الأحداث أن الدولة العظمى هي أيضاً مشكلة عظمى، ونصيحتي للعرب: لا تتفاءلوا كثيراً بتساقط الرؤساء الأمريكيين كأوراق الخريف، فهذا هو ثمن الديمقراطية التي نفتقدها في الشرق الأوسط.