تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

القارئ: شذى فيصل
المصدر: عكاظ
تاريخ النشر:  2020-02-03
3
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

منذ أكثر من أربع سنوات وكل مغريات الاتحاد الأوروبي لم تعد تجدي نفعاً مع البريطانيين ابتداءً بالعطر الفرنسي، مروراً بالشوكولاتة البلجيكية الساحرة، إضافة إلى السيارات الألمانية الفريدة، حتى الزيتون الإسباني الفاخر لم يعد ذا أهمية للإنجليز، ليس هذا فقط حتى البيتزا والباستا الإيطالية لم تعد ضمن قائمة طعامهم المفضل.

بالأمس القريب سقط أحد الأعمدة الثلاثة التي كانت تحتمي بها القارة العجوز من ويلات برد الشتاء وشدة حرارة الصيف، لذلك على ألمانيا وفرنسا إكمال المسير وحدهما دون بريطانيا، التي آثرت الرحيل دون عودة، بريطانيا التي لوحت بيدها مودعة هذا الاتحاد بعكس كل الوداعات التي يغلب عليها طابع الحزن كان الفرح هو العنوان العريض لهذا الوداع، وكأن لسان حالها يقول «آه من قيدك أدمى معصمي.. لم أبقيه وما أبقى عليَّ»، أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية هي التي عجّلت بهذا الرحيل.

على الصعيد الاجتماعي يشعر البريطانيون بأنهم ليسوا جزءاً من النسيج الأوروبي بسبب الموقع الجغرافي لبريطانيا، ومن يتفحص الخريطة الأوروبية يجد أن بريطانيا عبارة عن جزيرة معزولة عن أوروبا، لذلك لم يحصل أي انسجام بين الثقافة الأوروبية والإنجليزية، ولم يحس الإنجليز يوماً من الأيام أنهم جزء من الثقافة الأوروبية، ومن يقرأ التاريخ جيداً يجد أن العلاقات الإنجليزية الأوروبية عبر مئات السنين كانت عبارة عن تحالفات من أجل أهداف حربية فقط.

إذا ذهبنا للجانب السياسي فهناك انزعاج إنجليزي من التركيبة الأوروبية، فلا تعرف مع من تتعامل في أوروبا، فهناك رئيسة للمفوضية الأوروبية، ورئيس المجلس الأوروبي، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، لذلك الاتحاد الأوروبي يعمل حالياً بثلاثة رؤوس، وكل رأس يتصادم مع الآخر، إضافة إلى أن هناك شعوراً بريطانياً بعنصرية تجاههم في المنظمات الأوروبية بسبب سيطرة الأوروبيين على رئاسة تلك المنظمات. الإنجليز دائماً يقولون صراحةً وتلميحاً إن هناك فساداً في المنظمات الأوروبية التي تُقاد عن طريق فئة معينة يغلب عليها الطابع اللوبي. لا نستطيع إغفال جانب اختلاف وجهات النظر بين الأوروبيين والإنجليز في ما يخص السياسات الخارجية والعلاقات مع أمريكا وإيران.

أما الأسباب الاقتصادية فربما تكون هي المحرك الأساسي لهذا الخروج، ومن أهمها هو شعور بريطانيا أن مسألة فتح الحدود بين دول أوروبا أدت إلى توافد عدد كبير من المهاجرين واللاجئين غير الأوروبيين إليها مما شكل عبئاً على النظام الصحي والتعليمي والبنية التحتية بشكل عام، علاوةً على ذلك نزوح قرابة ٤ ملايين أوروبي وخاصة من أوروبا الشرقية إلى بريطانيا أدى إلى انعدام الفرص الوظيفية لأبناء بريطانيا. على الجانب الآخر، بريطانيا ليست مستعدة لدفع أموال الضرائب من أجل إنقاذ دول أوروبية مثل اليونان لأنها تشعر أنها دول فاسدة، إضافة إلى ذلك هناك أموال تدفع سنوياً للاتحاد الأوروبي، كل دولة تدفع بناءً على قوة اقتصادها، ما تدفعه بريطانيا يصل إلى ٣٩ مليار يورو سنوياً، هذا المبلغ الكبير ولد قناعات لدى البريطانيين بأن عدم وجود كفاءة في القوة الاقتصادية بين دول أوروبا بخلاف (ألمانيا وفرنسا) أثر على الميزانية العامة لبريطانيا، لهذا ترى أن هذه المبالغ من الأولى أن تُدفع للتنمية الداخلية.