بيت مفلح..

القارئ: معن صافي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-12-14
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ثاتشر في بريطانيا كانت رمز القوة والصلابة، فهي التي لم تستمع لنصائح العالم وعلى رأسهم أميركا في غزو (الفوكلاند).. وقررت خوض معركة شرسة ضد الأرجنتين وهزمتها، وهي التي اتبعت سياسة صارمة لمعالجة مؤسسات الدولة البريطانية.

في العام (1985) زارت الأردن، وكانت في أوج قوتها.. لم يذهبوا بها إلى البترا، ولا إلى جرش.. ولم يقدموا لها (برزينتيشن) عن تطور الاقتصاد، ولم تقم بلقاء مع مجموعة من الشباب الرياديين، ولا أصحاب المشاريع الصغيرة... بل دعيت من قبل الشيخ مفلح اللوزي (أبو صالح) رحمه الله وأقام لها بيتا من الشعر.. على أطراف منزله وهناك تناولت المنسف، وجلست مع وجهاء المنطقة.. وتحدثوا لها عن الأردن.

أبو صالح وقتها لم يخلع عقاله، ولا الشماغ ولم يقم بارتداء (بدلة) فارهة.. بل ظل كما هو، وتناول المنسف معها بيده.. وحدثها عن (الجبيهة) وأهلها وعن قصة الأردني وكيف نحت بالصخر اسمه ووجوده في هذا المحيط الملتهب.

وقتها عرضت (البي بي سي) تقريراً مفصلاً عن زيارة ثاتشر للشيخ مفلح اللوزي، والصحف البريطانية تناولت الحدث بإسهاب...(وثاتشر) انبهرت ببيت الشعر، وربما ضج سؤال بذهنها.. كيف لهذا الإنسان الأردني الذي خرج من تحت بيت الشعر البسيط هذا، والذي خضع لمؤامرة الجغرافيا والقوى الاستعمارية، أن ينتج وطناً عظيماً.. وأن ينتج كل هذه المؤسسات، وأن يصمد وسط محيط يستهدف وجوده..

أنا لا أتحدث عن الهوية عبثاً، وحين أطرق الموضوع لا أقصد المناكفة.. ولكن رمزاً عالمياً مثل (ثاتشر).. حين زارت الأردن، لم تأت بحثاً عن ربطات العنق السويسرية، ولم تأت للقاء مجموعات من الطامحين بتطوير الاقتصادر الرقمي.. بل جاءت كي تكتشف ذاك الوميض في عيون مفلح اللوزي.. وكي تعرف معنى (بيت الشعر)... جاءت حتى ترى ملامح هوية هذا الوطن، والتي لم تكن في ذاك الزمن... مهددة أو متشظية.

رحم الله مفلح اللوزي (أبو صالح)... وأسكنه فسيح جنانه، فكلما مررت من الجبيهة.. وسألني أطفالي عن ذاك المنزل الكبير الشامخ على هذه التلة.. سردت لهم قصة (ثاتشر).. وقصة الزعامات العربية، والوطنية التي زارت هذا الصرح... وعرفت معنى الهوية الوطنية.