انقلاب «المثقفين» على أتباعهم

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2020-03-09
0
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

‎أزمتنا كَكُتّاب هي أزمة اللغة التي نكتب بها، والإقليمية التي غرقنا في بحرها؟ ولكن في أوطاننا لا يولد حظ المثقف الا بعد موته. مثلما يحتضر الإنسان تحتضر الدول. قد يطول الاحتضار أو يقصر، لكنه عند المحتضِر سيان. الكثير من الوقت، والقليل من العافية. لا يداوي الزمن جراح الدول، مثلما لا يداوي الاحتضار جراح الإنسان. يعمّق الزمن جراح الدول فتنهار، ويعمق الاحتضار جراح الإنسان فيموت. كثيرة هي الطرق المؤدية إلى انهيار الدول، وفي المقابل هناك طريق واحد يبقيها: أن تعيد النظر في كل مرة في تعليمها. وهكذا إذا أرادت الدولة أن تستمر، فعليها أن تعبئ التعليم لتتغير. الثقافة من المفترض أن تلعب دور البوصلة في المشروع النهضوي العربي المأمول لا نهدف البقاء أوالاستغراق في فضاء نظري بعيدا عن معطيات ومشاكل واقعنا المعاش وما تعانيه مجتمعاتنا العربية من عوامل وأعطاب الخلل والقصور والإعاقة في تطلعها إلى المستقبل الأفضل أسوة بشعوب العالم المتحضرة، كما لا يمكن إطلاقا أن نضع أنفسنا في موقع أفضل بما يتوافر لدينا من مستوى وعي وفهم لمغزى الحياة، وبالتالي سنمتلك المشروعية الفكرية والخلقية لإصدار أحكام تقييمية في هذا المجال. ولطالما كان الرهان على الحداثة فهي كانت ميداناً لأقلام أدباء كل عصر وأثبتت نجاعتها في الوطن العربي. المثقف الذي تبنى مشروع الحداثة وتجاوز هويته وذاته وتنظيراته وقصيدته فقد نجا فعلا وهو المؤهّل أكثر من غيره لتحمّل عبء أسئلة الراهن والمستقبل. فهو صاحب الصورة التي تحتفظ بماء الوجه والحيوية اللازمة للشروع من جديد بعد خراب البصيرتين! وإذا كانت أجيال من المثقفين وصورهم انهالت على مقلع الدولة الوطنية تنهل منه وتُنتج مادتها المعرفية، فإننا في هذه العجالة نُشير إلى التوتر الذي حصل في مكونات هذه الفكرة ونماذجها منذ أن دخل الصمت على مرحلية البناء الثقافي.. وغياب الحوار في المشهد الثقافي العربي يرجع تفسيره الى الصّمت، ويعتبر الصمت في أغلب الدول العربية حالة ثقافيّة سلبيّة، من مظاهرها على المستوى الشّعبي اللاّمبالاة بقضايا المجتمع، والشّعور بالعجز في التّغيير، والإحباط واليأس، وتعمّق الفردانيّة بين أفراد المجتمع، وتحوّلهم لجزر منعزلة، وانتشار ظاهرة الاغتراب عن الذّات وعن المجتمع. وتتعامل بعض المؤسّسات الثّقافيّة عند العرب مع هذا الصّمت بطرق تمجيديّة، وخاصّة مؤسّسة الأسرة ومؤسّسة المدرسة، فهي تعتقد أنّ صمت الأطفال من المهد الى اللحد ظاهرة إيجابيّة تنمّ عن عقلانيّة تتهيّأ للولادة. كيف يتحوّل الإنسان العربي المثقف من حالة القصور إلى حالة الرشد، يتم ذلك عندما تعتز وتدعم الدولة ومؤسسات المجتمع المدني الأعمال الفنية والصالونات الثقافية، وإبراز دور اللغة الأم (العربية)، فتاريخ الأمم دائما ما يقاس بمفكريها لا بغيرهم.. وكما قال الشاعر: اللغة العربية «نشأت بأرض كانت فيها غريبة فمثلها في الإقصاء والمبتدى مثلي» نصيحة أخيرة في التربية والتعليم: يكمن وراء تعبئة التعليم فكرة هي أننا أصبحنا نفكر في تطوير مجتمعاتنا بوصفة عملية تربوية وتعليمية، وأن تغيير مجتمعاتنا يكون بالتضامن بين تربية الإنسان وتقديم الإنسانية على كل شيء. وأن التعليم هو الضامن مثلما كان ضامن التقدم والتغيير في عصر التنوير الأوروبي