الهشاشة القيمية.. الداء الفتاك بالأمة

الكاتب:
المصدر: الجزيرة
بلد النشر: قطر
تاريخ النشر:  2019-10-27
39
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

كل هذا الكم البشع من الحوادث والوقائع اللاإنسانية التي أصبحت سائدة في أمتنا الحاضرة ما هو إلا مؤشر قوي على إضاعتنا للقيم الأخلاقية في كافة نواحي حياتنا التي استشرى فيها: النفاق وحب الذات المفرط الذي جعل خبث النفعية الانتهازية تخرب نفوسنا وتعطل ضمائرنا، فتحولت بذلك مجتمعات أمتنا إلى غابة تعبث فيها مجموعة من الذئاب البشرية، لهذا نلاحظ بروز حالات سلوكية غير مألوفة ومستفزة، الأمر الذي يعيد طرح العديد من التساؤلات الصريحة حول البنية القيمية التي يحملها الأفراد المنتمون إلى هذه المجتمعات، لكي تتضح دلالات وأسباب الترهل الأخلاقي والانفلات التربوي الحاصلين، فهل نحن بصدد سيادة قيم هشة لا تصمد أمام الواقع الفاسد والمغري؟ وعلى من تقع مسؤولية هذه الوضعية القيمية المتردية في أمتنا حديثا؟ ولماذا فشلت أمتنا فشلا أخلاقيا وسلوكيا ذريعا في حاضرنا رغم أنها تتغنى بامتلاكها لمنظومة قيم متينة دون سواها في تربية مجتمع تسوده الأخلاق الحسنة التي تزخر بها نصوص الوحي وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وآثار السلف التي يلزمها أن تؤطر حياتنا؟

إن الواقع الحاصل اليوم يبين بكيفية لا تدع مجالا للشك أن هناك هوة عظيمة ما بين الإنسان المعاصر الذي ينتمي لأمتنا وما بين القيم الإنسانية بما فيها تلك التي ترفع كشعارات براقة ويتغنى بها في كل مناسبة، فالانحرافات السلوكية في أمتنا تفوق نظيرتها في كل الأمم الأخرى، ومن أمثلة ذلك الأنانية المطلقة والكذب والنفاق والخداع وهضم حقوق الآخرين والسطو على ممتلكاتهم وغيرها من الأخلاق المنبوذة والتصرفات المشية التي لا يتجرأ الإنسان السوي على فعلها، لكنها أصبحت تسود في معظم المعاملات البشرية القائمة في أمتنا، حتى صار على المرء توخي الحذر الشديد في جميع جوانب حياته التي قد يواجه فيها أناسا كثيرين يعانون هشاشة قيمية تجعلهم يتصرفون بزيف أخلاقي مستعملين أساليب احتيالية نفاقية باحترافية عالية ويتلونون بجميع ألوان المكر والخداع لنيل مرادهم ومصلحتهم.

وتتواتر في الزمن الراهن السقطات اللاإنسانية بلا انقطاع وتضيع فيه القيم الفاضلة والمثل العليا، ويبقى غول المادة هو الطاغي على الفكر والوجدان والسلوك، فتتراجع بذلك المكانات الرمزية والقيمية لتفسح المجال للمصلحة الشخصية وجبروت الأغراض والأهواء والنزوات التي تعيد ترتيب الأشياء وتشكيل مجتمعات هشة قيميا لدى معظم أفرادها اختلالات ذاتية؛ تجعلهم ينقلبون ويتحولون بسرعة في زمن التفاهة والانحطاط أمام ما يشاهدونه ويعرض أمامهم من إغراءات وآليات التلاعب بهم التي تجعلهم سلعة رخيصة.

ومن الحالات التي تظهر فيها الهشاشة القيمية بوضوح في أمتنا: عندما يصبح المرء وسيلة لتلميع صورة من يتملق له بأشياء لا تمت إلى الحقيقة بصلة أو يكون بوقا للتبريرات الواهية التي تصطنع بغية الدفاع باستماتة عن أولياء النعمة والرغيف، فالمجامل والمداهن للفساد وأهله مخرب أخلاقيا ولا يسعى إلا إلى مصلحته لهذا فهو لا يقل سوءا عمن يتزلف لهم، وكذلك أيضا عندما يتم الترويج للقدوات السيئة والنماذج التافهة والتشجيع على الانجذاب إليها وأخذ ما تنطق به وتفعله لمجرد أنها مشهورة ولها أعداد كبيرة من المتابعين، كما نجد أيضا الافتخار بالغش والخداع وخرق القانون والاعتزاز باستعمال الوساطة والزبونية لنيل غرض يستصعب نيله بالطرق الشرعية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتم بث كل ذلك في العقول على أنه نوع من الذكاء والنجاح في توهيم الآخرين.

لقد أصبحت المفاضلة في التصرف بالنظر إلى إشباع النفس لا بمدى قبول المنظومة الأخلاقية السوية لذلك التصرف، الشيء الذي يؤكد الانتصار الفظيع للغريزة على الفضيلة في تدبير الشؤون الذاتية، فيكون بذلك الواقع موطنا لتكريس الهشاشة القيمية والاحتفال بها وبتداعياتها، وهذا ما يثبت أن تقديم إشباع الرغبات الشهوانية بات أمرا راسخا في السلوك البشري، فالإنسان المعاصر المنتمي لأمتنا برغماتي إلى النخاع؛ يحركه الغرض الشخصي والنفع المادي، بصرف النظر عن مقاصد دينه الذي يتدين به شكليا، فإذا قام بفعل ما فإنه لا يقوم به إلا لمصلحة مادية أو معنوية عاجلة، ولا يأبى إن ضر بفعله غيره وضيع حقا من حقوقه ما دام أنه يبحث عن ما يعود عليه بالربح والكسب الذاتي.

لقد صارت أعناق شعوب أمتنا تشرئب إلى كل تفاهة وابتذال، وبالتالي إنهار صرحها الأخلاقي وأصبحت سهلة الاختراق والتحكم فيها والدفع بها إلى ما يخدم مصالح المفسدين في الأرض، لأنها نشأت على قيم هشة جعلتها تهوى مستنقعات الدناءة والرذيلة وتسقط فيها بشكل سريع من دون أية مقاومة، لكونها فاقدة للحصانة القيمية التي تمنعها من الوقوع في ذلك وتجرها بعيدا عن كل ما يمس منظومة قيمها الأخلاقية بسوء، لهذا تتداعى الأخلاق الحسنة التي غرست على أرضيتها المموهة وغير الواضحة مادامت أنها قابلة للتحايل ومعيارها هو المصلحة الفردية سواء كانت آنية الحصول أو فيها مصلحة يتوهم نيلها في القريب العاجل.

من غير المعقول أن تكون النفس التي لا تكف عن اللهث وراء المناصب والمال والأهواء والحظوظ والمتع سوية سلوكيا ومتماسكة أخلاقيا ومحصنة قيميا، لهذا نجزم بأن البنية القيمية تكون أكثر عرضة للهشاشة كلما ازداد حجم الانتهازية التي تجعل المرء لا يرى غير مصالحه المادية، فيصبح أكثر انجذابا للأطماع الشخصية ولهثا وراء المنافع المادية، متغافلا أن هذا التصرف هو أشد مخرب لبنيته القيمية، وهو بالضبط السبب الرئيسي في إحداث تشوهات أخلاقية في مجتمعات أمتنا وجعل قيمها الإيجابية تهوي إلى الحضيض، مما أدى إلى تعثر مسيرتها وتدهور أوضاعها العامة وزوال بريقها وألقها وأسباب قوتها وعزها.

وجدير بالذكر أن التحول القيمي الحاد في مدة زمنية محدودة لا يحصل عبثا، فقد يكون راجعا بالأساس لنقص حاد في الجانب الروحي والاحتياج النفسي غير الملبى، وكذلك لقلة البرامج التوعوية والأنشطة التي تعنى بالجانب القيمي والتربية الخلقية في المناهج التعليمية على كافة المستويات، ولنقص في المورد القانوني الصارم الذي يتحكم في أفعال الأفراد ويوجهها نحو الصواب الأخلاقي؛ وبالخصوص الأنظمة والقوانين التي بتطبيقها تتم حماية المبادئ والقيم الأخلاقية العامة والمحافظة عليها من الضياع، ولن يحصل ذلك من دون فرض عقوبات زجرية على مرتكبي التصرفات التي فيها انتهاك للآداب والأخلاق العامة.

ومن غير المقبول أن يتباهى المرء بالأخلاق التي يحملها دينه والتي يجد فيها تعبيرا عن الخير المطلق، ويدعي احتكارها للقيم النبيلة بحصرها داخل دائرة دينه ومن يتبعه ويجعل بابها موصدا أمام كل من هو خارج دينه بنوع من التعالي والثقة التامة التي لا تقبل التشكيك، فالتغني بمنظومة قيمية متينة بلا أي بذل للجهد في تكريسها عمليا في السلوك والتصرف هو مجرد ضرب من الخيال الذي يجعل الإنسان أبعد ما يكون عن تنزيل هذه القيم المتبجح بها في سلوكه من دون المحاولة لإيجاد تبريرات للفشل في التطبيق والأجرأة العملية لما هو نظري بعيد عن الواقع المعاش.

وتبقى مسؤولية إصابة أمتنا بالهشاشة القيمية مشتركة لا يمكن أن يتحمل كل فرد على حدة الوضع القيمي الكارثي، ولتجاوز ذلك لابد أولا وقبل كل شيء امتلاك الجرأة للاعتراف بأننا مصابون بهذه الهشاشة، ثم نبحث عن أسباب مرضنا بهذا الداء القيمي العويص الذي أضحى منتشرا في جسد أمتنا، وبعد ذلك تأتي خطوة مهمة تتمثل في القيام بحصر وتحديد مكامن النقص والخلل المثبط عن الرقي القيمي الناهض بأمتنا، ولعل أهم ما يمنعنا من ذلك هو غلبة الجانب المادي على العلاقات بيننا كبشر، خصوصا وأننا نعلم أن المصالح أصبحت هي التي تحدد شكل العلاقات الإنسانية، وأضحى الربح السريع والمكسب الشخصي متحكمين في  تصرفاتنا على جميع المستويات، والقضاء على ما ذكرنا لا يمكنه بتاتا أن يتم بين عشية وضحاها بل يتطلب وقتا كثيرا وجهدا كبيرا ونفسا طويلا وتقاسما منصفا للأعباء والواجبات لإجراء عملية إعادة هيكلية منظمة وفعالة تحترم مبادئ المسؤولية المشتركة.