يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

الكرم بين العطاء والإبهار

الكاتب:
المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-12-07
10
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

نتحدث كثيرًا في عالَمنا العربيّ عن الكرم، فلان كريم وفلان بخيل ، الكرم مهم عند العرب ، و صفة الكرم لازمت العربي عبر التاريخ . منذ أن استمتعْنا بقصّة حاتم الطائيّ وكيف كان يكرم ضيوفه، ارتبط مفهوم الكرم عندنا بإكرام الضيف، وذبح الخراف في الأفراح والمناسبات، وامتدّ اليوم للجلسات والعزائم في المطاعم الفاخرة، حتّى إنّك تجد رجالًا يحلفون بأيمان الطلاق السهلة وشبابًا (بعضهم يأخذون مصروفهم مِن أهلهم) تعلُو أصواتُهم ، فتحسبهم في عراك وكل القصة أن كل منهم يريد أن  يحظى بشرف دفْع الفاتورة فتلتصق به صفة الكرم.

في بعض البلدان العربيّة المعروف أهلها بالكرم نرى الفقراء يتجمّعون حول حاويات القمامة، بحثًا عمّا تبقّى مِن فضلات الكرم الرفيع، بينما في الغرب البخيل الذي يتقاسم الأصدقاء فيه الفاتورة بكلّ احترام، تجدُ الفقراء والمشرّدين وقد تجمّعوا في أماكن معيّنة معروفة، حيث يتبرّع الأفراد والمؤسّسات بوقتهم ومالهم لتقديم وجبة ساخنة على الأقلّ مرّة في اليوم لمن يحتاجها فعلًا، في مفارقة قد تجعلنا نتوقّف قليلا عند مفهوم الكرم الذي تشبعّناه حتى اقتنعنا به، وهو ليس إلّا طريقة استعراض شخصيّة يتّبعها الفرد إرضاءً للمجتمع ورغبةً في اكتساب صفة قد ترفعه بين الناس وتجعله حديث الساعة في المجالس.

فهل نحنُ كُرماء فعلًا أم مُستعرضون؟

لم يعُد الكريم هو مَن يُعطي الفقراء بل مَن يُبهر الأغنياء، يُبالغ في التوجيب والاستقبال وأحيانًا كثيرة يستدين مِن أجل استعراض كرمه وإبهار المدعوّين، كما يحصل في الأفراح والمناسبات، وهمّه الأوّل والأخير هو كلام الناس لا العطاء بمفهومه الشامل الذي يعود عليه بالرضا، وعلى المجتمع بالتكافل المؤدّي للعدالة.

في الواقع ليس الكرم وحده الذي حوّرناه وأخرجناه مِن قيمته، الرغبة في إبهار المجتمع والحصول على تصنيفات عالية طالت قيمًا كثيرة، ومنها الصدق ، نحن نكذب ونُنافق ليتقبَّلنا الآخرون، نظهر بوجوه وأقنعة متعدّدة لا تُمثّل حقيقتنا مِن أجل أنْ نحظى بتصنيفات نكتشف بعد عمر معيّن سطحيّتها وانعدام قيمتها الحقيقيّة.

أما العطاء الحقيقيّ فتجده عادة عند أقلّ الناس استعراضا، أغلبه غير مُعلن، وقد لا يحظى صاحبه بالتقدير العالي في المجتمع، وقد لا يحصل على لقب “الكريم” لرفضه التبذير والمبالغة.

مقالات كثيرة نشرت في الآونة الأخيرة حول العلاقة الوطيدة بين العطاء والرضا ، آخرها ما نشر في المجلة الفرنسيّة (العلوم والمستقبل) التي تتحدّث عن أبحاث أُجريت على مجموعات من الناس تُؤكّد أنّ العطاء يؤثّر على مناطق خاصّة في الدماغ مسؤولة عن السعادة، مقالات علميّة تُضاف لآلاف المواعظ والمقولات مِن أصحاب الخبرة الحياتيّة الذين وجدوا في العطاء الصادق بِنِيّةِ المساعدة ونشرِ الخير لا التفاخر والإبهار، طريقًا للسعادة والرضا.

كثيرًا ما نسمع عن سيّدات يجدْنَ في المبالغة في التسوّق متعةً وسعادة، وفي واقع الأمر ما تجده السيّدات ليس سوى سعادة لحظيّة تنتهي بالاستحواذ على الشيء المادّيّ المرغوب فيه، وما أن يتمّ الحصول عليه حتى يفقد المرء جزءًا كبيرًا من الرغبة فيه وتتلاشى سعادة الحصول عليه تدريجيّا، ثمّ يبدأ شعور النقص في الرضا  يزيد ويحثّ على المزيد من الاستهلاك، هذا الوعاء الاستهلاكيّ الذي لا يمتلئ أبدًا لن يحظى صاحبه بالرضا والإمتنان في حياته إطلاقًا، الرضا عن النفس والذات والسعادة الحقيقيّة في العطاء لا الأخذ، الحياة مرآة تُعطينا ما نعطيه للآخرين، فالمال الذي نُنفقه في أوجه الخير المستحقّة له يعود لنا مضاعفا، والسعادة التي نتسبّب فيها للآخرين تنعكس على حياتنا، هذه معادلة بسيطة لن يفهمها مَن يضع المجتمع وإرضاءَه في أوّل أولويّاته ضاربًا المنطق السليم بعرض الحائط، فلا هو سيحظى بهذا الرضا المجتمعيّ الذي سيجلده عند أوّل زلّةٍ ولا هو عاش راضيًا عن نفسه.

كاتبة أردنية