يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

القدرة على القراءة

الكاتب:
القارئ: شروق طومار
المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-08
20
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

تمثل القدرة على القراءة والاستيعاب الركن الأساسي في عملية التعلم برمتها، فامتلاك القدرة على القراءة يفتح الباب واسعا أمام الفرد للاطلاع على مختلف العلوم.
امتلاك القدرة على القراءة هو الفارق الوحيد، بين التعلم والأمية، وما يمنح المتعلم امتيازات كثيرة لا يمكن للأمي أن يتحصل عليها!

ما أتحدث عنه هنا هو أساسيات لا أظن أن أحدا يمكن له معارضتها، ولكن ما أود التأشير إليه من خلال هذه المقدمة، هو مدى التزام النظام التعليمي في الأردن بهذه الجزئية الأساسية.
في مقال سابق ناقشت مسألة “فقر التعلم” الذي بدت نسبته مريعة لدينا في الأردن وفقا لتقرير للبنك الدولي عرف هذا المصطلح على أنه النسبة المئوية للأطفال في سن العاشرة ممن لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة وفهمها”.

في أي نقاش موضوعي يستعرض عملية القدرة على القراءة والاستيعاب، لابد أن تقفز اللغة الأم إلى الذهن مباشرة، صحيح أن كثيرا من المدارس الخاصة لا تعتبر العربية أساسية في مناهجها، لكننا هنا نتحدث عن غالبية عظمى من المدارس تضم أكثر من مليون ونصف المليون طالب، يحاولون جاهدين أن يتسلحوا بالعلم والمعرفة، وهم لن يتحصلوا على ذلك دون إتقان اللغة العربية الأم قراءة وكتابة واستيعابا: عن هؤلاء أتحدث!
السؤال المطروح على وعينا اليوم، هو كيف نعزز هذه القدرات؟

في مناهج قديمة، كان ثمة فصل بين دروس “القراءة والاستيعاب”، “اقرأ واستمع”، “المحفوظات”، و”القواعد اللغوية”. أراد واضعوا تلك المناهج أن يميزوا كثيرا بين تلك التصنيفات لكي تتحقق عملية التأسيس وتراكم التعلم، ما سيغدو خلاله الطالب قادرا على امتلاك مهارات اللغة المختلفة.

في بعض الدول التي حققت نهضة تعليمية لافتة مثل فنلندا، سنغافورة، كوريا الشمالية، أستونيا، واليابان، يركز النظام التعليمي فيها على مهارات القراءة والكتابة، والحساب، بمفهومه المبسط للصفوف الخمسة الأولى، كما يركز أيضا على مبادئ الأخلاق العامة.

في نظامنا التعليمي وإلى ما قبل تقرير البنك الدولي بدت هذه الأسس مغيبة كثيرا، فتعليم مهارات القراءة والاستيعاب لم تكن في مناهجنا أساسا مركزيا، أما القراءة خارج المنهاج ، أي النصوص القرائية الإثرائية، فلا وجود لها في هذه السنوات التعليمية، إلا في أضيق الحدود، فكيف لنا أن نعزز مهارات القراءة والاستيعاب إذن؟

من الجيد أن نظامنا التعليمي اعترف قبل أعوام قليلة بهذا الخلل الكبير، لكن في المقابل ينبغي للقائمين عليه أن يقترحوا حلولا عملية سريعة، لكي نستطيع تجاوزه، إذ لا يمكن لنا أن نتقبل ولو من باب “الدعابة” أن يصل طالب إلى مرحلة الثانوية العامة “التوجيهي” وهو شبه أمي لا يستطيع كتابة اسمه من أربعة مقاطع بإملاء صحيح، مثلما تحدث به وزير تربية سابق. هذا فشل ذريع وصريح لنظامنا التعليمي، ولا يمكن لنا أن نتصالح معه.

في المقابل، هناك شبه إهمال لمسألة مهارات التعبير التي كانت في السابق أحد مؤشرات النبوغ لدى الطلبة الصغار، وكانت تؤشر على قوة المناهج التي تؤهل لحالات تعبيرية متجلية راهن عليها كثيرون فاستطاعت أن تكون على قدر الرهان.
إن كنا نطمح إلى محاولة إعادة الأمور إلى نصابها، فلا بد لنا من أن نركز من جديد على لغتنا الأم، وعلى مهارات القراءة والاستيعاب والتعبير في الصفوف الأولى الأساسية، وبدون ذلك سنكون كمن يحرث البحر، فحتى لو اتسع الحقل فهو لا يملك رحما خصبة.