الفن..عطاء بلا حدود

القارئ: رند العلمي
المصدر: الإتحاد
تاريخ النشر:  2019-12-17
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

ما يميز الفنّانُين عن غيرهم أنهم يُعَبّرونَ عَن أحاسيسهم اتجاه أنفسهم ومجتمعاتهم مِن خِلالِ استخدام وسائل فَنيّة. ومنهم من سخر موهبته لإنتاج أعمال فنية تعكس قضايا ذاتية وإنسانية وتقديم أنشطة خيرية.اخترت في هذا المقال التركيز على جوانب إنسانية للفنان نصير شمه، ومنها كيف تمكن من مواجهة السلبيات التي اعترضت حياته؟ وكيف ارتقت به شاعريته وأسلوبه في الموسيقى ليجعلان منه فناناً حقيقياً وأوصلاه إلى العالمية.

التجربة المؤلمة التي عاشها الفنان نصير بدءاً بحكم الإعدام ظلما -وهو في العشرينيات من العمر- وانتهاءً بتدمير العراق، جعلت منه فناناً متألماً متأملاً متفاعلاً بكل ما يجرى حوله وجعلته إنسانا صاحب رسالة في الحياة. ينشر من خلال أنامله الحب والسلام من الشرق إلى الغرب. وسخر موهبته لخدمة الآخرين. وتجدر الإشارة إلى صفته التسامحية، أشهر ما قاله الفنان نصير: «قررت أن أسامح كل من آذاني من السجان إلى صدام حسين لأن الشخص الذي لا يسامح لا يستطيع أن يعيش حياته»، تصالح مع التجارب المؤلمة ومع من حوله. اشتهر بدعمه للمشاريع الإنسانية، مثل جمعية «طريق الزهور الخيرية»، التي تقدم رعاية طيبة لأطفال الهند وحملة «أهلنا» التي تقدم المساعدة لأكثر من 3 مليون لاجئ. و«ألق بغداد» بهدف إعمار بغداد.ومن المشروعات الفنية «الأوركسترا 2350 ق. م» دمج فيها الآلات الغربية والشرقية لتجعلها من أرقى الأوركسترات. ويعمل جاهدا على «عولمة العود» وتدريسه في الجامعات الأوروبية. أوصله إخلاصه في فنه إلى العالمية واختير لصدقه في فنه وعطائه سفيرا للنوايا الحسنه لجمعيات الصليب والهلال الأحمر. كما لقب بسفير الشرق إلى الغرب من وزارة الثقافة الألمانية، ولقب بسفير اليونيسكو للسلام العالمي.

ومن الجدير بالذكر النظر إلى المؤلفات الموسيقية للفنان نصير، هناك جانبًا علميا ربما يغفله القراء في تأليف المقطوعات الموسيقية، وذلك بأن يستوحى المؤلف فكرته الموسيقية بناءً على معطيات بيئية. لذا تجد المؤلفات الموسيقية التي ألفها نصير شمه معتمدة على قصة واقعية أو متخيلة. يشير الفنان نصير شمه في كتابه «الأسلوبية موسيقيًا» إلى أن المقطوعة الموسيقية لها عدة استلهامات منها ما هو ذاتي وعام. المقطوعة الموسيقية ألفها الفنان نصير، والتي تعكس حاله من الألم الذاتي بداخله «رحيل القمر»، التي أهداها إلى روح أخته التي قُتلت غدراً في العراق. كما أنه استوحي من الطبيعة عدة لوحات فنية منها حرية الخيل، وصدرها لنا في أجمل اللوحات السمعية عرفت بعنوان «رقصة الخيل». تفاعله مع الطبيعة في أرض السواد بمدينة بابل العريقة، التي تحمل في جنباتها أكثر من مليوني نخلة عرفت المقطوعة باسم «بين النخيل».

أما ما يتعلق بالمواضيع العامة، أهدى لأرواح شهداء العراقيين مقطوعة موسيقية بعنوان «البنفسج أرواحهم». وكذلك تفاعل مع ضحايا وجرحى الحروب وذلك بعزف مقطوعة موسيقية بإصبع واحد تعاطفاً مع من بترت أصابعه في الحروب. صور معاناة أطفال والمدنيين جراء القصف الأميركي على العراق عام 1991 بحي العامرية، وهي في انتظار من ينقلها إلى المستشفى وحاكى بالعزف على العود صوت صفارة الإنذار والإسعاف، وهي في طريقها إليهم وصدّرها لنا في لوحة سمعية وعرفت باسم «حدث في العامرية»، وهب الفنان نصير الكثير من ريع حفلاته إلى الجرحى العراقيين. يمكن القول بأن الفنان نصير عبر عن آلامه الداخلية ومعاناة مجتمعه بفَن راقٍ قلما وجد.

الرسائل التي يجب أن نستخلصها من تجربة الفنان نصير أن الاستقرار النفسي لا يتحقق إلا بالتغاضي والتسامح عن ما أفسده البشر من قول أو فعل في حقنا سواء كان بقصد أو من دون قصد حتى نعيش بسلام مع ذواتنا ومع من حولنا. تسوق المشاعر المتراكمة إلينا العقد النّفسِيّة التي تضر بنا وبمن حولنا، لذا يمكن تحريرها باستخدام الفنون الجميلة التي تحمل رسائلَ إنسانية على كل شخص أن يبدع في مجال عمله، ويكون نموذجاً لتصدر أفكاره وأعماله خارجيًا ليكون خير سفير لبلاده.