العنف الاقتصاديّ ضد المرأة

الكاتب:
القارئ: رند العلمي
المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-11-26
6
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

نتكلّم كثيرًا عن العنف ضدّ المرأة، قاصدين العُنف الجسديّ والانتهاك المؤذيَ لها، كالضرب والإذلال، إلّا أنّ هذا العنف لم يكُن ليحصل أصلًا لولا وجود نوع آخر مِن العنف المُمارس على الفتاة والذي يولد ويكبر معها، عُنفٌ مبنيّ على النوع الاجتماعيّ، ويُؤدّي إلى عنف اقتصاديّ واضح، يبدأ بطريقة ما وبشكل تدريجيّ باستخدام أساليب التمييز في التعامل والتربية وإكساب المهارات، لتكبر الفتاة ويكبر معها الشعور بالاحتياج الدائم وانعدام الثقة بالنفس، وفي حالات كثيرة يقترن هذا بحرمانها مِن تعليم جيّد أو مِن تنمية مهارات معيّنة تُؤمِّن لها نوعًا مِن الاستقلال الاقتصاديّ، عُنفٌ مُبطّن تُشارك فيه العائلة والمجتمع والعادات والتقاليد، بدوافع العيب أحيانًا، وبدوافع الخوف على الفتاة أحيانًا أخرى، أو بسبب تفضيل الولد على البنت بحجّة أنّ مسؤوليّاته أكبر، عوامل مُختلفة تُنْتِجُ امرأةً في حالة احتياج دائم، غير قادرة على الاعتماد على نفسها، واتّخاذ القرارات السليمة، امرأة لا تستطيع تأمين احتياجاتها الرئيسة، وإنِ استطاعت فهي غير قادرة على التصرّف بمالها بحرّيّة، امرأةٌ مُستعدّة لتقْبَلَ كلّ أنواع الأذى والاستغلال الجسديّ والإذلال المعنويّ مِن أجل الاحتفاظ بدرجة ولو قليلة مِن الأمان المادّيّ والاجتماعيّ.

العنف الاقتصاديّ ضدّ المرأة يطال النساء العاملات أيضًا، ففي حالات كثيرة يتمّ إجبارهنّ على أخْذ قروض لا ترغب بها، أو العمل في مشاريع عائليّة دون أجر، ويُؤخذ راتبها مِن قبل أهلها أو زوجها، وكلّه تحت بند طاعة الزوج ووليّ الأمر، وخوفًا مِن الطلاق وسهام المجتمع التي لا ترحم، كما أنّه في كثير مِن الحالات تُحرَمُ مِن الإرث أو يتمّ إجبارها على تنازلات ومُبادلات ليستْ في مصلحتها؛ بدعوى بقاء الممتلكات باسم العائلة، عنف يُفرّق بين الرجل والمرأة في الأُجور، وكلّه يُؤدّي في النهاية لتهميش المرأة وإضعافها.

صفعة جديدة مٍن العنف الاقتصاديّ تلقّتْها المرأة الفقيرة مؤخّرًا، وذلك بتضييق الخناق على مؤسّسة مُهمّة مِن مُؤسّسات المجتمع المدنيّ، وهو مركز العدل للمساعدة القانونيّة الذي كان يُقدّم خدماته مِن مشورات قانونيّة توعويّة واستشارات ومساعدات قانونيّة للفقراء والمهمّشين، ما يُؤثّر بشكل كارثيّ على حقّ وصولهم للعدالة، ليفقد الفقراء ومنهم عددٌ كبير مِن النساء المحتاجات دعمًا مهمًّا وطاقةَ فرج.

وأتذكّر في هذا السياق ما قالتْه أشهر ضحايا العنف في الأردنّ السيّدة فاطمة التي قام زوجها باقتلاع عيْنِها في جريمةٍ غيرِ مسبوقة بوحشيّتها في مُقابلة معها: “كنتُ في طريقي للطلاق، ولكنّي تراجعتُ؛ لعدم قدرتي على دفع رسوم دعوى الطلاق”. تكاليف لا تتجاوز عشرات الدنانير لم تتمكّن فاطمة مِن دفعها، ولو استطاعتْ لاحتفظتْ بعينيْها ولم تُحرَم مِن رؤية أبنائها يكبرون أمامها يومًا بعد يوم. امرأة في ثلاثينات عمرها لا تملك مبلغًا بسيطًا كان سيُنقذها مِن عاهة أبديّة، لا أرى عُنفًا أكبر مِن هذا.

نحن في مجتمع احتفظ الرجل فيه بمميّزات أُعطيَتْ له إمّا بالقانون أو بالعادات والتقاليد؛ مقابل واجبات  كثيرة، الكثير منها غير مفروض بل متروك له ولضميره، مجتمع يهيّئ المرأة لتكون عالةً ثمّ يتركها في مهبّ الريح، يُطالبها بالإنجاب، ولكنّه يتركها وأبناءَها إنْ ترمّلت أو تطلّقت بلا مساعدة، مجتمع يتّهم المرأة بنقص العقل وهو الذي يسعى لتجهيلها منذ أنْ تولد، في مجتمع يتطلّع ظاهريًّا إلى العدالة والحرّيّة في وقت يُمعنُ في ظلم المرأة؛ بحجج الاحتفاظ بالهُويّة والخوف على الأخلاق، هو مجتمع لن ينال قنطارًا مِن العدالة قبل أنْ يُطهِّر نفسه مِن ظُلم المرأة.