العراق.. هل تنتصر المعادلة الصفرية؟

القارئ: شذى فيصل
المصدر: رأي اليوم
تاريخ النشر:  2019-11-09
20
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

سألت صديقي العراقي المنحدر من أصول لبنانية، أي الجنسيتين تفضل؟، صدمني قائلا: لا يفرق معي، كلاهما بالنسبة لي واحد، فلم أعد أعرف أصلا ما هو الفارق بين البلدين؟.

إجابة صديقي على بساطتها وعفويتها، تشير إلى أن كلا البلدين مرتهنان منذ سنوات طويلة تحت وطأة الطائفية المقيتة التي عملت وفقا لقاعدة “فرق تسد”، وسط بيئة يستشري فيها الفساد، والإقصاء، ويغلب عليها الضعف الاقتصادي، وتفشي البطالة، وتردي الخدمات، وتهالك البنية التحتية، وهنا تبدو المقاربة منطقية بين انتفاضتي لبنان والعراق لأن المدخلات ستقود حتما إلى مخرجات واحدة أو على أقل تقدير متشابهة.

لا يبدو أن نمط الحكم في لبنان والعراق مختلفاً كثيراً، على الأقل من الناحية العملية عن نظيره في الشرق الأوسط، حيث تتم تسوية الصراعات بين الفرقاء السياسيين من خلال منح كل فصيل أو طائفة عرقية، جزءا من الكعكة، الأمر الذي أودى بالنخب السياسية، إلى حالة من التكلس والاستقواء بالنفوذ للإثراء على حساب الشعب، وشرعنة النهب على أساس عرقي أو ديني.

في العراق، التي نسجت معها إيران علاقات متناغمة طوال ستة عشر عاماً، متناسيتان حرباً ضروسا امتدت لثماني سنوات في الثمانينات الميلادية، لا يبدو أن الغضبة الشعبية المستمرة منذ أكثر من شهر ستنتهي في الأمد القريب، بل على العكس تماما، إذ تبدو الأوضاع مرشحة للتنامي في ظل انتهاج السلطات العراقية سياسية العنف الممنهج ضد شعب مخضرم في التعامل مع القتل والحصار والتجويع والتفجير، ومسلح بسنوات من الغضب، وسط حالة من الجمود السياسي المغلفة برفض تقديم تنازلات ملموسة للمتظاهرين، وإصرار المحتجين من جانبهم على البقاء في الشارع لأطول فترة ممكنة، ما يعني أن المعادلة الحاسمة للصراع قد تبدو “صفرية”، مالم تتدخل أطراف أخرى لحلحلة الأزمة، على غرار النموذج السوداني.

وعلى ما يبدو، فإن إيجاد مخرج مرضي للأزمة الراهنة يعد الآن أكبر تحدي يواجه الحكومة العراقية ربما منذ سنوات، وبدون إيجاد هذا المخرج، بعيد المنال في الوقت الحالي، ستبقى الأمور مجمدة والوضع المتأزم مرشح للانهيار، خاصة في ظل تشبث السلطة بمواقعها، وحالة القطيعة الظاهرة بين رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس وزراؤه عادل عبد المهدي، بالإضافة إلى عدم التعويل على نخبة سياسية مترهلة، تحكم البلاد قرابة العقدين.

لكن المفارقة، أنه بالرغم من الأحداث الساخنة، إلا أن إيران، استطاعت زيادة نفوذها، فيما تقف الدول العربية موقف المتفرج مخافة الظهور بمظهر المشجع على اندلاع احتجاجات شعبية قد تستلهم موجات الربيع العربي في العام 2011، ومع ذلك، فإن جعبة طهران ليست ممتلئة بالمكاسب، فقد خسرت في المقابل، كثير من القطاعات الشعبية الغاضبة من التغول الإيراني، والمتيقنة بتحول بلادهم إلى مجرد حديقة خلفية لإيران، والأخطر، أن الكثير منهم يعتبرونها مهندسة عملية الإفساد السياسي والإفقار الشعبي طوال ستة عشر عاماً، وأياً ما كانت نتيجة الحراك الحالي، فإنه سيسفر حتماً عن ظهور طبقة شعبية غاضبة، والكثير منهم شيعة متضررون من تردى الوضع الاقتصادي، تكن المزيد من العداء لإيران ووكلائها، وربما تكون إيران، برغم بعض المكاسب المحدودة والمؤقتة خاصة على مستوى تغلغل النفوذ، أحد أكبر الخاسرين من الصراع الحالي في العراق.

لا يبدو أن الحكومة العراقية أدركت رسائل المحتجين، إذ يوحي سلوكها الكلاسيكي، المعروف على نطاق واسع في العالم العربي، بانتهاج أسلوبي المواجهة الأمنية، والمسكنات، في الوقت الذي يصر فيه المحتجون على أن المسكنات وحدها لا تكفي لنزع فتيل الآزمة، متمسكين بأنه لا مجال للوعود الرنانة خالية الدسم، والتي استنفذت أغراضها، مشددين على أنه لابد ا لتصدي بشكل فوري وعاجل لأصل المشكلة، عبر توافق مجتمعي يسعى للوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤطر السلطة ويتيح الفرصة أمام حكومة تكنوقراط ترضي جميع المكونات، وتقصي بشكل فوري حيتان الفساد وهواميره، وما أكثرهم في العراق المنكوب.

من واجب السلطة الًإنصات لشركاء الوطن، ونزاع فتيل الانقسام المجتمعي، والتقدم خطوه باتجاه الغاضبين عبر الإعلان عن خطوات عملية لاستعادة الأموال المنهوبة التي تقارب ٤٥٠ مليار دولار، وتقديم كشف حساب حول  أكبر عملية سرقة في التاريخ تفوق بمراحل عمليات النهب التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.

من المفارقة، أنه في الوقت الذي يستحوذ فيه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي “باعترافه” على مخصصات شهرية بمليون دولار، فإن ربع الشعب العراقي (البالغ عددهم 38.5 نسمة) يرزح تحت خط الفقر رغم ارتفاع الإيرادات المالية لثاني أكبر منتج عالمي للبترول في منظمة “أوبك”، فيما تتجاوز البطالة 42 في المائة، وتتخطى أعداد العاطلين الخمسة ملايين عراقي.

مجمل القول، أن العراق ليس بحاجة إلى مزيد من الدماء، وإنما هو بحاجة ماسة إلى دولة مؤسسات تتسع لجميع مواطنيه، بحاجة إلى دولة تحارب الفساد وتوفر الخدمات وتعيد تكريس العراق بتاريخه العريق كلاعب دولي وإقليمي بارز، بدلا من انبطاحه تحت النفوذ الأمريكي تارة، والنفوذ الإيراني تارة أخرى.

كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية