العراق.. العيش في أعاصير دائمة

القارئ: شذى فيصل
المصدر: القبس
بلد النشر: الكويت
تاريخ النشر:  2019-12-01
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في 23 أغسطس 1921، تم تتويج الملك فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، بدعم بريطاني تولى مسؤولية الانتداب على العراق وفق قرارات مؤتمر السلام في فرساي، أتى الملك فيصل إلى العراق بمجموعة من ضباط عرب، كانوا في الجيش العثماني، مع آخرين من رواد حركة الوحدة العربية ممثلة في تجمع «العهد»، وفي عام 1922 اتخذت الحكومة العراقية قراراً بالسماح لتشكيل حزبين سياسيين، الأمر الذي ضايق زعماء الشيعة، الذين تخوفوا من سيطرة السنة واحتكارهم للحكم، وتمثل الغضب الشيعي في فتوى جاءت من المجاهدين الشيعة بزعامة آية الله مهدي الخليصي بمقاطعة الانتخابات، فاتخذ الملك فيصل قراره بإبعاد هذا المجتهد إلى طهران وتبعه أنصاره إلى هناك.

ارتكب الملك فيصل في بداية حكمه ثلاثة أخطاء تاريخية ظل العراق يعاني منها إلى اليوم:

الأول: احتكار السلطة من قبل الوافدين العرب من سوريين وعراقيين، كلهم من السنة، شكلوا الكتائب التي اعتمد عليها الملك فيصل مع عدد قليل من الشيعة، استفادوا من قربهم من الملك في التوسع بملكية الأراضي الزراعية، فتكونت في العراق مجموعة مقربة من الملك بامتيازات في وظائف الدولة وفي سهولة تملك الأراضي.

الثاني: مع تزايد أعداد المنفيين إلى طهران، تصاعدت مشاعر الخصومة الشيعية تجاه النظام، وانحسرت الثقة فيه، خاصة مع غياب الشيعة عن المناصب العليا في الدولة، واقتنصت إيران تلك الفرصة لتوفر الرعاية لهم في المنفى، وفي الدعم السياسي والديني، مع شعور بالترابط المذهبي.

والثالث: ان الملك لم يأخذ في حساباته حق الأكراد في نظام حكم ذاتي، يتولى فيه الشعب الكردي مسؤوليات الحكم الذاتي ترجمة لحقه في صون مصيره ومستقبله.

لا بد من الإشارة إلى مطامع تركيا في أراضي العراق كله ثم انحساره في الموصل، مع استغلال النزعة الدينية السنية لتحقيق أهدافها في تأكيد نفوذها، ولم تنجح لأن بريطانيا أمنت استفتاء الموصل، ورسمت الحدود مع دول الجوار، متصدية للأطماع التركية.

سقط النظام الملكي عام 1958، نتيجة لمغامرة من عدد من الضباط، بعضهم قوميون عرب، وبعضهم من المغامرين الطامحين، والبعض الآخر من الحزبيين الحالمين بنظام عربي بأيديولوجية عروبية، كلهم تأثروا بأجواء المشرق العربي في منتصف الخمسينيات حركتهم موجات الثورية الواعدة.

انفرد عبدالكريم قاسم بالحكم، كان مغامراً بلا هوية سياسية، استفاد من الشيوعيين، وأغلبهم من الطائفة الشيعية، معتمداً عليهم في معاركه ضد العروبيين، مستغلاً مخاوف الشيعة من طغيان السنة.. فشل نظام قاسم لأنه غير جدير بحكم العراق، وغير مؤهل لحل مشاكله، وأبرزها التوصل إلى صيغة سياسية تقبلها معظم أطياف الشعب العراقي ويقرها الأكراد، كما عانى العراق في زمنه من عزلة عربية وعالمية، لأن عبدالكريم قاسم أظهر طموحاً بضم الكويت، رفضه جميع العرب، ووقفت الأسرة العالمية مع الكويت، فأدرك خصوم قاسم سهولة اسقاطه بحكم هذه العزلة الداخلية والخارجية.

ولم يكن المغامر الآخر عبدالسلام عارف أفضل من قاسم في إدارته لشؤون العراق، فسار مثل قاسم، اعتماداً على القوة الموالية من رجال الجيش، ومع الذين تسابقوا في ملاحقة الشيوعيين.

أصبح العراق في الخمسينيات ومنتصف الستينيات ميداناً لصراع الأيديولوجيات بين الشيوعية والقومية العربية والهوية البعثية، لم يكن للأكراد دور مؤثر في تلك الصراعات، بينما ظلت الأغلبية الشيعية تراقب من دون مساهمة منها في تلك المواجهات، كما لم يكن للآخرين من الأقليات أي دور مساهم في الصراع.

والفرق بين قاسم وعارف، أن قاسم دفع المنطقة العربية والخليج إلى ساحة توتر حاد قابل للانفجار في تهديداته بضم الكويت بالقوة، وصاغ وضعاً أفرز ما نسميه بالعدوانية الجغرافية Geographic Bellicosity، أسست في العراق تصوراً بأن الكويت.. عراقية اغتصبت بالخداع الامبريالي، وجاء الغزو في عام 1990 من ذلك الهوس.

ومع بروز الوهن في نظام الضباط الذي أعقب الملكية، انتهز حزب البعث الفرصة وقفز على الحكم بسهولة، مدشناً عهداً راديكالياً فاشستياً عنصرياً، ليحكم صدام حسين العراق بنهج استوعبه من حياة ستالين ومن أسلوب لافرينتي بيريا رئيس الأمن وجهاز الشرطة السرية في عهد ستالين، بلا عواطف أو ضمير، مبدداً الشك بيقين الاعدام، ومعتمداً على مجموعة من المدنيين الموالين الضعفاء، والفاقدين أهلية الحكم، المستخدمين أسلوب كتابة التقارير ضد الخصوم سبيلاً للبقاء والاطمئنان، وساد الارهاب جميع العراق، بل توغل في المنازل بين أفراد الأسرة الواحدة.

وكان نصيب الأكراد التآمر بخدعة حملها أحد رجال الدين للتفاوض مع الزعيم الكردي ملا مصطفى البرزاني، فتنفجر في جلسة المفاوضات ويموت رجل الدين، وينجو الزعيم الكردي، وبذلك اتسع الخلاف مع تصعيد في إيمان الشعب الكردي بالمقاومة طريقا للحق.

ساد الشعب العراقي طغيان الخوف، مع تبدلات صار بها الحزب أسيراً للزعيم، والشعارات غطاء للعظمة، فانزلق الزعيم صدام حسين في مواجهات أكبر من امكاناته مدفوعاً بطموحه لابتلاع بلد تصوره سهل المنال، فكان لابد من هزيمة الزعيم وانهيار نظامه، وجاءت فرصة تاريخية أمام شعب العراق للاتفاق على دستور جامع واقعي في أهدافه، يمثل - بعد إعدام صدام - وثيقة العهد الوطني الجماعي، في إطار فدرالي يوفر للأكراد أحلامهم، وللشيعة كيانهم في الجنوب، وللسنة منطقة خاصة في الوسط، في حكومة مركزية مسؤولياتها الأمن والدبلوماسية والمال.

لم يأت الدستور الحالي بصورة ترضي الجميع، وإنما أعطى الطائفة الشيعية حق الادارة، وفق قاعدة الأكثرية العددية، وألحق الطائفة السنية شريكاً وليس نداً مساوياً، ومارس الأكراد حق الحكم الذاتي كأمر واقع، فكانت الحصيلة شكوكاً وانقسامات وتدخلات إيرانية بدأت تظهر بقوة مؤثرة.

لم تتوافر القدرة لرئيس وزراء العراق عادل عبدالمهدي لنيل ثقة المتظاهرين، الذين سيطروا على واقع العراق مع ارتفاع عدد الضحايا، فاستقال مساء الجمعة الماضي، بعد أن تحدث عن التظاهرات التي عطلت الأطباء وسيارات الاسعاف، وأوقفت الأعمال وشلت البلاد وأزعجت العباد، وسط وزراء لا يملكون الحل، ويتذاكرون فيما بينهم بحثاً عن علاج، فلا توجد صيغة تجمع كل أطياف الشعب، وتستمر الحيرة وتهب الأعاصير.

لا بد أن يتخذ العراق القرار القوي، الذي يأتي من خارج صندوق التفكير المعتاد، وبعيداً عن الدستور الحالي، الذي لن ينتشل العراق من الغرق، وإنما القرار الذي يفرضه واقع العراق، والذي يشبع الرغبات ويعمق الهوية، ويتجاوب مع حقائق خريطة العراق السكانية، وغير ذلك سيظل العراق أسيراً للأعاصير.