الشاي

المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-02-22
0
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

... أنا أمتلك موقفاً حاداً من الشاي الذي يأتي على شكل ميدالية، زمان كان الشاي مختلفاً.. كان هنالك ما يسمى بالشاي (الحل)، وكنت تقف أمام الإبريق وتنثره على سفح الماء المغلي.. وتراقب حالة (الفوران)، وتتلذذ بالرائحة.

من أنتج شاي الميداليات، هو شخص أراد أن يشجع الكسل، وأظنه تسبب في نوع من فقدان المتعة، وأظنه أيضاً من أعداء (الأباريق).. فأنا مؤمن أن منظر الأبريق هو جزء مهم من ثقافة الشاي في مجتمعنا، خصوصا حين يأتي.. على (الصينية) وتلاحظ حجم (الشحبار) على أطرافه، وتحاول أن تداعبه بيدك كي تتأكد من حرارته.. ثم تنتظر بتلهف من أجل أن يبرد، وقد تستعمل مصطلحا قديما كان مرتبطا بالشاي فقط وهو (عقد ولا ما عقد)... وحين (يعقد) تقوم بسكبه في الكأس.

من ابتكر شاي الميداليات أفقدنا كل هذه المتع، فأنت فقدت الإبريق.. وفقدت متعة الانتظار، وفقدت الكمية التي ستشربها... والأخطر أنهم صاروا يحضرون لك بعض الماء المغلي في كوب، وعليك أنت أن تضع الميدالية.. ومن ثم تشرب الشاي.

(الشاي الحل) كل شيء كان ينصهر مع بعضه، لم تكن تحتاج لسكر مستقل، ولا لميداليات خفيفة من دون وزن، ولا للماء المغلي.. كل شيء كان يتحد وينتج لك الكيف والسلطنة.

لماذا يحن الشعب الأردني إلى أيام زمان، لأن القصة تشبه (الشاي الحل)... كنا جميعا ننصهر في موقف واحد، مثل الإبريق تماما.. وكان لنا مذاق قومي خالص وكانت اللحمة الوطنية هي السكر الذي نتلذذ بطعمه، وكنا نحمل على أكف أمهات طعم الحنان في تلك الكفوف ألذ من تمر المدينة المنورة، وكلما كانت النار تشتعل تحتنا، كنا نقاوم النار بأن نلتصق أكثر ببعضنا.. وننتج الحب والحياة، في كؤوس لا تحرق الشفاه، بل تمنحها طعما ألذ.

منذ أعوام وأنا أحس نفسي مثل (ميدالية الشاي).. حالما يستنفذ ما فيك، من طعم ترمى في أطراف المكان، أو تقذف نحو (المكتة).. أو تعصر لأخذ ما تبقى في من طعم.. وربما إذا حالفك الحظ تبقى في الكأس، ولكن النهاية هي (المكتة)..

من ابتكر شاي الميداليات، لم يكن يقصد إنتاج سلعة تجارية بقدر ما كان يقصد إعطاء درس للشعوب..