السور

المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-01-08
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

سألني أحدهم أمس.. لماذا يكرهونك؟

أجبته، الكره قصة نسبية... والوصف الأدق هو التجاهل أو الإقصاء، والسبب بسيط جداً.

في طفولتي كنت أذهب للمدرسة، كل يوم مشياً على الأقدام، وذات مرة ناداني أستاذ اللغة العربية ووبخني وسألني سؤالاً غريباً وهو: لماذا لا تدخل المدرسة من الباب، لماذا تقفز من السور؟ وأنا كنت شغوفاً بدخول المدرسة عبر القفز من السور، لا أتذكر أني في المرحلة الابتدائية دخلتها من الباب.

القصة كانت أشبه بالعادة، كنت أحس أن القفز من السور والذهاب للصف يعطيك نشوة، وبعض التمرد.. وكنت أحاول أن أدخل من الباب، ولكن قدمي لم تكن تطاوعني فأعود وأقفز من الأسوار.

حتى حينما وضعت المدرسة، أسلاكاً شائكة على السور، وجدت في القصة متعة أكثر، وصرت أتسلل من تحت الأسلاك، وأقراني كانوا أحياناً يسخرون مني، فقد سقط حذائي ذات يوم خارج السور وأنا أتسلل، وكان الأستاذ يراقبنا فخفت أن تضيع الحصة الأولى مني ويمنعني من الدخول، أتذكر أني أمضيت يومي بفردة حذاء واحدة.. وضاعت الأخرى.

حين كبرت، وسافرت أوروبا وبريطانيا بالتحديد، أكتشفت أن الأسوار هنالك مجرد اكسسوار، فأغلب المنازل لا يوجد عليها أسوار مرتفعة، والشبابيك غير محجوبة عن المارة، حتى مدارس إنجلترا لاتحصن بأسوار شائكة مثل مدارسنا.. واكتشفت أن الإنجليزي، يدخل من الباب لأنه لايوجد سور عال يستدعي منه المغامرة.

تخيلوا حتى في بولندا، التي عاشت الحقبة الأمنية السوفياتية والحرب الباردة.. كل منازلها، الأسوار فيها مجرد حواجز خشبية بسيطة، وضعت ربما كي تكون سنداً للوردات التي تزرع...

قلت لصديقي أتعرف لماذا يكرهونني أو يتجاهلونني، لأنهم في طفولتنا بنوا حول مدارسنا أسوارها شاهقة، حتى يمنعو من الهروب... وأنا لم أؤمن بالأسوار في حياتي وقفزت عنها، وحين كبرنا نقلوها من الأرض إلى الذهن.. وشقوا مداميكها في عقولنا، وما زلت أقفز عنها..

قلت لصديقي: الأردن قصته أن هنالك فئة تحب الأسوار، وهنالك من قرر هدمها.. إن الذي اخترع الأسوار، هو لم يخترعها خدمة للبشرية، وإنما أراد أن يقسم القلب ويخيفه.. والقلب واحد لايقسم... ولا يخاف العشق.