الربابة

القارئ: معن صافي
المصدر: الرأي
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2019-12-28
1
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

حين ابتكر البدوي الربابة، فإنه تحدى الطبيعة وأنتج حالة موسيقية فريدة في العالم، على النقيض من الأوروبي فهو حين ابتكر الكمان.. لم يكن ينقصه أي شيء فبلاده مليئة بالأشجار، ويستطيع أن يختار نوع الخشب الذي يريده، وبلاده أيضاً مليئة بالجلود.. فغابات فرنسا وحدها، تجد فيها مئات الأنواع من الحيوانات..

بعكس البدوي تماماً، فالصحراء خالية من الأشجار، وجلود الماعز والخراف يحتاجها لصنع (فروة) تقيه برد الليل، وهو رهين الرمل، والخطى التي تذوب بعد ساعات بفعل الرياح.

لكن الفارق بين البدوي الأردني والأوروبي، أن الأوروبي صنع أوتاراً عديدة في الكمان بالمقابل ظلت الربابة رهينة وتر واحد، هنالك تعدد في المناخات ربما هي السبب في تعدد الأوتار في الكمان فأنت حين تذهب إلى شمال أوروبا.. إلى النرويج مثلاً، يواجهك طقس حاد البرودة ومتجمد، وهذا ما يفسره الوتر الرابع الأكثر خشونة في الصوت..

بالمقابل حين تذهب أقصى الجنوب لشواطئ إسبانيا في الصيف، تواجهك الشمس وحدة سطوعها والرمل أيضاً، الهواء الدافئ.. وهذا ما يفسر الوتر الأول في الكمان وهو الصوت الأكثر نعومة..

بالمقابل الصحراء واحدة لا تتغير، فالجمال لا تهجرها في الصيف... والجبال من المستحيل أن تكتسي بالثلج، ناهيك عن أن (ميثة)... هي ذاتها لم تتغير، ففي الصيف ترد عين الماء، وفي الشتاء أيضاً ترد عين الماء.. والشماغ واحد أيضاً هو ذاته يرتدى في الصيف وفي الشتاء.

لكن في النهاية، البدوي استطاع أن يقتل صمت الصحراء.. استطاع أن يتمرد على البيئة القاسية، ومن العدم أنتج موسيقى.. الأوروبي لديه كل شيء الأنهار والمياه العذبة.. والتنوع، ولديه أنواع الغذاء.. ولديه نساء يملكن عدة ألوان للعيون وألوان الشعر على رؤوسهن تتغير، فهناك الشقراء، وهناك السمراء.. وهناك جاكلين، وسوزان..

الأردن دولة تشبه «الربابة»، تمردت على الألوان وعلى الطبيعة، على الصحراء والجفاف.. على قلة الموارد، وأنتجت موسيقى.. بغض النظر عن فقر الأنغام في هذه الآلة إلا أنها في النهاية آلة موسيقية شعبية ومهمة...

المشكلة ليست في الربابة، ولكن المشكلة في الذين يعتقدون.. أن الربابة تحتاج لوتر ثان، ولتبديل الجلد بالسيراميك، وتحتاج أيضاً لعازف يرتدي بدلة من طراز (لان فان).. ويوهمون أنفسهم، بأن الربابة من الممكن أن تنتنج (سولو) أو مثلاً من الممكن أن نعزف عليها مقطوعة (لشوبان)..

أنا أصلاً خلقت هكذا.. أطرب للربابة أكثر من الكمان، وأنا لا أريد خصخة، ولا اقتصاد رقمي عالمي، لا أريد (اتمتة).. ولا أريد (حوكمة).. أريد أن (أجر على ربابتي) بمزاجي وراحتي!!..

التطوير لا يعني اغتيال روح الدولة أبداً، ضعوا رؤوسكم على صدري ستسمعون صوتاً حزيناً للربابة مع ضربات قلبي..

أرجوكم لا تقتلوا هذا الصوت.