يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

الرئيس ماسح الأحذية!

القارئ: شذى فيصل
المصدر: البيان
تاريخ النشر:  2020-01-10
4
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

في العام 2003 وبعد انتخابه رئيساً للبرازيل فاجأ الرئيس لولا داسيلفا الجماهير في خطابه الأول بعد فوزه الساحق بحمله حذاء على المنصة قائلاً:

 

وصلني اليوم هذا الحذاء هدية من عمدة مدينة فراتكو. أعرف أنه يقصد من تلك الهدية أن يذكرني أنني ربما مسحت له يوماً حذاءه أو حذاء والده. لأنني أيامها كنت أعمل ماسح أحذية وأنا طفل فقير وهذا شرف لبلدنا أن يصبح ماسح الأحذية رئيساً للدولة.

وللقصة بداية، في الثمانينات مرت البرازيل بأزمة اقتصادية طاحنة فتوجهت كما معظم دول العالم الثالث للاقتراض من صندوق النقد الدولي معتقدة أنه الحل لأزمتها الاقتصادية.

وطبعاً طبقت حزمة الشروط المجحفة مما أدى إلى تسريح ملايين العمال وخفض أجور باقي العاملين وإلغاء الدعم وانهار الاقتصاد البرازيلي ووصل الأمر إلى تدخل دول أخرى في السياسات الداخلية للبرازيل، وفرض البنك الدولي على الدولة أن تضيف إلى دستورها مجموعة من المواد تسببت في اشتعال الأوضاع السياسية الداخلية.

ورغم استجابة البرازيل لكل الشروط تفاقمت الأزمة أكثر وأكثر وأصبح 1% فقط من البرازيليين يحصلون على نصف الدخل القومي. وهبط ملايين المواطنين تحت خط الفقر، الأمر الذي دفع قادة البرازيل إلى الاقتراض من الصندوق مرة أخرى بواقع 5 مليارات دولار، معتقدين أنه الطريق للخروج من الأزمة.

فتدهورت الأمور أكثر وأصبحت البرازيل الدولة الأكثر فساداً وطرداً للمهاجرين والأكبر في معدل الجريمة وتعاطي المخدرات والديون في العالم (الدين العام تضاعف 9 مرات في 12 سنة) حتى هدد صندوق النقد بإعلان إفلاس البرازيل لو لم تسدد فوائد القروض ورفض إقراضها أي مبلغ في نهاية 2002. وانهارت العملة (الدولار وصل إلى 11 ألف كروزيرو).

كانت الدولة تحتضر حتى جاء عام 2003 وانتخب البرازيليون رئيسهم «لولا دا سيلفا» الذي ولد فقيراً عمل ماسح أحذية وعانى من الجوع وظلم الاعتقال. خشي البرازيليون من تسلمه حكم البلاد. رجال الأعمال قالوا سوف يأخذ أموالنا ويؤمم ممتلكاتنا. والفقراء قالوا سوف يسرقنا لكي يعوض الحرمان.

لكنه لم يفعل ذلك بل «مسح» اسم البرازيل من قائمة الدول الفقيرة. اعتمد دا سيلفا مبدأً بسيطاً لخصه في قوله: التقشف ليس أن أفقر الجميع بل أن تستغني الدولة عن كثير من الرفاهيات لدعم الفقراء

اعتمد على أهل بلده. وضع بنداً في الموازنة العامة للدولة اسماه (الإعانات الاجتماعية المباشرة) وقيمته 0. 5% من الناتج القومي للدولة يصرف بصورة رواتب مالية مباشرة للأسر الفقيرة. أي استبدل الدعم العيني بدعم نقدي. وأصبح هذا الدعم وقيمته 735 دولاراً يدفع لـ 11 مليون أسرة تشمل 64 مليوناً برازيلياً. السؤال من أين هذا الدعم والبلد على حافة الإفلاس ؟!

لقد رفع الضرائب على جميع رجال الأعمال والفئات الغنية من الشعب، ما عدا المدعومين ببرنامج الإعانات. رجال الأعمال كانوا سعداء لأنه بمقابل رفع الضرائب منحهم تسهيلات كبيرة في الاستثمار وآلية تشغيل وتسيير أعمالهم ومنح الأراضي مجاناً وتسهيل التراخيص وإعطاء قروض بفوائد صغيرة ومساعدتهم في فتح أسواق جديدة.

أما الفقراء فإن دخلهم سوف يرتفع وتزيد عملية شراء منتجات رجال الأعمال فتضاعف حجم مبيعاتهم. بذلك لم يشعروا أنها جباية. بل يدفعوا ضرائب مقابل تسهيلات أصبحوا يكسبون منها أكثر.

بعد 3 سنوات فقط عاد مليونا مهاجر برازيلي وجاء معهم 1. 5 ملايين أجنبي للاستثمار والحياة في البرازيل. وفي غضون أربع سنوات سدد كل مديونية صندوق النقد. بل إن الصندوق اقترض من البرازيل 14 مليار دولار أثناء الأزمة العالمية في 2008. هو نفس الصندوق الذي كان يريد أن يشهر إفلاس البرازيل في 2002 ورفض إقراضها لتسدد فوائد القروض.

كيف صنع دا سيلفا المعجزة؟

لقد ركز على أربعة قطاعات: الصناعة، التعدين، الزراعة والتعليم. البرازيل صارت سادس أغنى دولة في العالم في آخر عام لحكمه. وأصبحت تصنع الطائرات.

بعد انتهاء ولايتي حكم لولا في 2011. وبعد كل هذه الإنجازات طلب منه الشعب أن يستمر ويعدلوا الدستور ليتولى الحكم فترة ثالثة لكنه رفض بشدة وقال كلمته الشهيرة «البرازيل ستنجب مليون لولا ولكنها تملك دستوراً واحداً» وترك الحكم.