يرجى تفعيل ال Javascript في متصفحك

الحرية وخيانة الحرية

المصدر: الغد
بلد النشر: الأردن
تاريخ النشر:  2020-02-20
2
جميع المقالات المنشورة على موقعنا تعكس وجهة نظر كُتّابها فقط.

برغم ما يبدو من بداهة لمفهوم الحرية وأنها “الحرية” أكثر المفاهيم تداولا في العالم المعاصر، فإنها في واقع الحال مفهوم معقد وملتبس ومتغير، وهي ليست في مفهومها السائد اليوم تشبه معناها الذي كانت عليه قبل فترة وجيزة (نسبيا) من الزمان، فهي على سبيل المثال تعني في التراث العربي والإسلامي عكس الرقّ أو العبودية، ونعلم أن الاعتراف بحرية الإنسان ورفض عبوديته لم يتشكل على نحو سائد في العالم قبل نهاية القرن التاسع عشر، وظل بعد ذلك مطبقا في أنحاء كثيرة من العالم لعدة عقود، ولعله ما يزال مطبقا في بعض البلدان.
لكن الحرية صارت اليوم أساسا للاجتماع والسياسة، وتزيد حضورا وتأثيرا في الاتجاهات والسياسات الفردية والمجتمعية كما الدول والأمم، وعلى مدى التاريخ أنشأت الممالك المدنية في شرق المتوسط مفهوما للاجتماع والسياسة يتعارض مع مفهوم الامبراطوريات الكبرى التي نشأت في وادي النيل وحوض دجلة والفرات، ففي تلك الممالك المحدودة تقريبا بمسافة المسير نصف يوم أو في دائرة نصف قطرها لا يتجاوز خمسة وعشرين كيلومترا تجمع الناس واختاروا قادتهم على أساس من الحرية والمساواة، بل واندمج مفهومهما مع المدينة، فصار يطلق عليهما مصطلح السياسة المدنية أو الحكم المدني، بما هما فلسفة للحكم ينشأ عنها سياسات وتطبيقات تتعارض جوهريا مع مقولات الحق الإلهي والحق الطبقي التي قامت عليها الممالك والامبراطوريات الكبرى، وتحول ذلك إلى صراع بين المؤسسات السياسية والدينية من جهة وبين المجتمعات من جهة أخرى، أو إلى صراع بين القلعة والمدينة، وفي هذا الانقسام الواضح بين القلعة والمدينة تبلور مفهوم السياسة المدنية أو الحكم المدني.
لم يكن ذلك مسارا مستقيما وواضحا، لكنه كان مسارا طويلا ومعقدا وممتدا ومليئا بالعثرات. ويلاحظ لويس ممفورد كيف استطاع الإنسان الحضري بالعمل والمشاركة وكذلك بالعزلة والتأمل أن يوفر لجانب أكبر من الحياة فرصة الإفادة من ممارسة الفكر والروح الجماعيين ونشاطهما باستمرار، فما بدا على هيئة صراع خارجي مع قوى الطبيعة العادية انتهى إلى دراما داخلية لم تكن خاتمتها أي انتصار مادي، بل إلى ازدياد فهم الفرد لذاته وتطور داخلي أوسع نطاقا. وبنشوء مجالس المدن والتحادث والدراما تشكل تنوع مهني وفكري واجتماعي، ولم تعد المدينة مجتمعا يسوده التماثل التام، وكما جاء على لسان هايمون في مسرحية أنتيجوني لسوفوكليس “مدينة لا رأي فيها إلا لرجل واحد ليست مدينة”.
لقد كانت الحرية أو المواطن الحرّ أسوأ كابوس وإلى الأبد للطبقات المهيمنة والسلطة المطلقة والنفوذ المستتر، لكن لم يعد ممكنا إعادة الأمور إلى الوراء، بل اتسع مفهوم الحرية ومطلبها حتى صار محركا وملهما للأفراد والمجتمعات، يقول سقراط كما في كتاب جورجياس لأفلاطون “إنك تطنب في مدح الرجال الذين احتفلوا بالمواطن وأشبعوا رغباتهم ويقول الناس إنهم جعلوا المدينة عظيمة. لكنهم لم يروا أن حالة المدينة وما بها من أورام وقروح يجب أن يعزى إلى هؤلاء السياسيين والشيوخ. وذلك لأنهم ملؤوا جنبات المدينة بالثغور والأحواض والأسوار وموارد الدخل وما إلى ذلك. ولم يتركوا مكانا للعدالة والاعتدال”
وينسب ممفورد تراجع المدن في ظل الامبراطوريات إلى أنها لم تعد يقوم فيها كل فرد بدور وينطق بكلمات ذلك الدور، بل أصبحت مكانا فخما لعرض مظاهر القوة، وتمشيا مع ذلك لم يكن لواجهة شوارعها إلا بعدان، فقد كانت بمثابة ستار يخفي نظاما شاملا من التنظيم والاستغلال.
لكن المدن صعدت مرة أخرى بعد انهيار روما في القرن الخامس الميلادي، وهي وإن ظلت فترة طويلة تتعافى من الخراب الذي أصابها بسبب الفوضى وهيمنة الإقطاعيين والعصابات لكنها نجحت مرة أخرى في التأسيس للنهضة المعاصرة بما هي تجمع الناس أحرارا ومتساوين لأجل تحسين حياتهم وكما يرونها ويدركونها بعقولهم، .